حسن السبع

سنة أولى تقاعد ..

في آخر يوم له بالوظيفة، يجمع أشياءه الشخصية، يسلم ما بعهدته، يعطي مفاتيح المكتب لمن سيشغله من بعده، يودع زملاء العمل ويرحل ليبدأ حياة جديدة. قد يودع أحدهم الزملاء وهم آسفون على فراقه، ويودع آخر الوظيفة غيرَ مأسوفٍ عليه، لأنه آثر الكرسيَّ على العلاقةِ الإنسانية، واختار السيادةَ على الزمالة، وغلَّب التصلبَ على الإقناع، واعتبر من حوله تروساً في آلة، ونظر إليهم نظرة فوقية. وما أن يترك موقعه حتى يتنفس الزملاء الصعداء. ولسان حالهم يقول: «لقد ذهب الحمارُ بأمّ عَمْرو/ فلا رجعتْ ولا رجع الحمارُ»!وعلى النقيض من تلك العلاقة غير المأسوف عليها ما يقوله الأديب الفرنسي سانت اكزوبري: «لا شيء أبدا في الواقع يحل محلَّ الرفيقِ المفقود، لا شيء يوازي كنزَ تلك الذكريات المشتركة، وتلك الساعات التي عشناها جميعا بحلوها ومرها.. مثلُ تلك الصداقات لا تُبنى بسهولة، وهل نرتجي لو غرسنا شجرة أن نستظلَّ أوراقها بعد أمد قصير؟»!من المتضررين من مرحلة التقاعد الزوجة التي لا يجد زوجها ما يملأ به وقت فراغه، فيتدخل في كل صغيرة وكبيرة، وقد يدس أنفه في شؤون المطبخ متجاوزا صلاحيات مديرة البيت السابقة، مع أنها الأكفأ والأطول خبرة. لكن هذا التدخل أهون على الزوجة من أن يشطح تفكير زوجها بعيدا، فيجنح قاربه إلى ضفة أخرىوكما أن لكل محطة في حياتنا ظروفها المختلفة، فإن لمرحلة التقاعد في مجتمعنا العربي  إيقاعها الخاص. ولكل قاعدة استثناء. أول المستجدات في حياة المتقاعد اختلال الساعة البيولوجية، بعد أن كانت أكثر دقة من ساعة (بيج بن). وعدم الانتظام في تناول الوجبات. وزيادة الوزن بسبب تراكم الدهون، وفقدان التواصل اليومي مع الآخرين، وما قد يسببه من حالة اكتئاب مؤقتة. لاحظ، على سبيل المثال، أنه وبالرغم من أن كلَّ أيام المتقاعد (عُطل) إلا أن لعطلة نهاية الأسبوع نكهتها الخاصة نتيجة الشعور بالمشاركة، وتأثير جاذبية الجماعة. و.. «حَشْر مع الناس عيد»! كما يعبر المثل الشعبي. ومن منغصات مرحلة التقاعد لدى (المتشببين) الشعور بالتقدم في السن. أعرف صديقا كان يصر على أنه قد استقال ولم يتقاعد، وآخر يقول إنه قد تقاعد مبكرا. مع أن بالإمكان أن يعزّوا أنفسهم بالقول الدارج: «الشباب شباب الروح»! ومن المتضررين من مرحلة التقاعد الزوجة التي لا يجد زوجها ما يملأ به وقت فراغه، فيتدخل في كل صغيرة وكبيرة، وقد يدس أنفه في شؤون المطبخ متجاوزا صلاحيات مديرة البيت السابقة، مع أنها الأكفأ والأطول خبرة. لكن هذا التدخل أهون على الزوجة من أن يشطح تفكير زوجها بعيدا، فيجنح قاربه إلى ضفة أخرى.  اعتاد الناس أن يسألوا المتقاعد: ما هي مشاريعك لفترة التقاعد؟ وبالتأكيد فإن السائلَ لا يستفسر عن مشاريعَ تتعلق بالراحة والمتعة والفرح وتبديد سحب السأم، وإنما ينتظر إجابة تتضمن الحديث عن (لهاثك) وركضك وشقائك القادم. وفي ذلك يقول الشاعر محمود غنيم مداعبا صديقه محمد برانق وقد أحيل إلى التقاعد: «قالوا أحيلَ إلى القعودِ/ والماء يأسن بالركــودِ/ فأجبتُ: كلا بل ستولد/ يا محمد من جديــدِ/ من كان  مثلك لا ينام/ ومن لمثلك بالرقـودِ/ فغدا تتاجر في النحاس/ وفي الصفيح وفي الحديدِ/ فاقنعْ بما كَسِبَتْ يداكَ/ ولا تقل هل من مزيـدِ»! لكن دعوة الشاعر إلى القناعة لا تستقيم إذا كان راتبُ صاحبه التقاعدي ثابتاً ثباتَ حَجَر تميم بن مقبل الذي «تنبو الحوادثُ عنه وهو ملمومُ»!  ختاما، دعونا نعلل النفس فنقول: قد يشيخ البدن لكن الروحَ المتقدة المبدعة لا تشيخ، ولا تتقاعد. والحكماء هم الذين يقطفون من حديقة هذه المرحلة أجمل زهورها، ويبحثون عن اهتمامات جديدة يعبرون من خلالها عن أنفسهم، ويقاومون بها آفة السأم.