د. فالح العجمي

إنسان القمر وإنسان الشمس

توقفت كثيراً عند ظاهرة اختلاف الثقافات بين الجماعات البشرية المتباعدة جغرافياً، أو المتباينة في تاريخها وأساطيرها وأديانها. لكن فكرة خطرت لي مؤخراً، بأن البشر الذين يعتمدون القمر في تقويمهم ربما يكونون مختلفين عن الجماعات الأخرى، التي تعتمد التقويم الشمسي في حسابات الزمن. قويت الفكرة، ولو رمزياً، من خلال استعراض الفروق المفترضة بين الجنسين، بما كتب عن ذلك التمايز في طرق التفكير بينهما في كل الثقافات تقريباً. فتطور تجسيدها بتصورات تضع الرجال في كوكب، والنساء في كوكب آخر، لاختلافهما في المنطلقات والأولويات، بل وأحياناً طرق الكلام وتصور مكونات السعادة في الحياة.فلا عجب أن تغنى العربي قديماً بجمال القمر، وشبّه حبيبته بالقمر، وأطلق بعضهم أسماء أولادهم ببعض حالاته، مما يشير إلى اعجاب بالجانب المضيء من هذا الرفيق الدائم، مثل: بدر، قمر، قمرا، هلال، ومؤخراً بدور ... إلخ. وقد بلغ بعرب شبه الجزيرة المتأخرين أن أوجدوا عبارات لوصف جمال البنات، من مثل قمر أربعطعش! فكيف تخيلت إنسان القمر، كما سميته في العنوان، أن يتصور حياته الفردية والمجتمعية، وعلاقاته بمنظومة الكون من حوله؟ هو إنسان يعيش في فضاء مفتوح، وتقل عنده الحجب من مبانٍ ومعوقات طبيعية أو صناعية؛ فيلحظ القمر، أو أشكاله المتدرجة في مساء، يكون خلاله هادئاً، ويتأمل حركة القمر، وحجمه، ودرجة إضاءته، التي ربما ساعدته في بعض شأنه. فيرى أن ذلك الكوكب متكأ له في تحقيق بعض الغايات، ورأى فيه مسامراً إن كان في وحدة أو سفر، كما شاهد في تضاريسه علامات تأمل، إن كان مستلقياً يتابع حالة الحركة الوحيدة من حوله. فلا عجب أن تغنى العربي قديماً بجمال القمر، وشبّه حبيبته بالقمر، وأطلق بعضهم أسماء أولادهم ببعض حالاته، مما يشير إلى اعجاب بالجانب المضيء من هذا الرفيق الدائم، مثل: بدر، قمر، قمرا، هلال، ومؤخراً بدور ... إلخ. وقد بلغ بعرب شبه الجزيرة المتأخرين أن أوجدوا عبارات لوصف جمال البنات، من مثل قمر أربعطعش! (في إشارة إلى جمال إضاءة القمر في تلك الليالي التي يكتمل فيها نوره). بالطبع لم يكن العرب يعلمون أن تلك الخطوط والأشكال التي تظهر في القمر هي حجارة عادية كالحجارة التي على الأرض، وأن نوره ليس هو مصدره، بل انعكاس لنور الشمس من سطحه إلى الجانب المقابل من الأرض، فيراه أولئك الناس، أو يرون جزءاً منه. لكن المهم أنه تماهى معه جمالاً ورفقة، فرأى في عودته كل ليلة مبرراً لحساب دورة جديدة من الزمن، أو ليلة أخرى. وبهذا أصبح الحساب القمري، الذي اعتمدته بعض الشعوب الشرقية يرى بداية اليوم من الليل. فعندما تجن عليهم ليلة (حتى لو لم يكن فيها قمر) يقولون: ليلة كذا (بداية اليوم الذي سيصبحون عليه)؛ ولا تكون تابعة للنهار الذي يكون نوره قد انتهى. ما الذي يحصل لإنسان الشمس في المقابل؟ يسير في ضوء الشمس في نهار حافل بالعمل؛ يساعده فيه ضوء الشمس الوهاج، لينجز أعماله، وتحقق له الدفء بعد الليل البارد، كما تحتاج أشجاره ومزروعاته وحيواناته إلى دفئها واشعتها المباشرة. فيسعد بكل مرة تطلع فيها الشمس غير محجوبة بالسحب، التي تقلل من وصول دفئها إليه، وإلى مملكته من الكائنات، والأشياء المحيطة به. فعندما يعظم ذلك الإنسان الشمس، فإنه يبدأ حسابها في كل يوم تطلع فيه، ويعده بداية اليوم، مع إذن ببدء ساعات حافلة بالعمل. فلا غرو أن عدّ أصحاب التقويم الشمسي النهار بداية لليوم، وليس الليل، كما هي الحال لدى أصحاب التقويم القمري. لكن ما الذي تختلف به العقليتان، ولو من باب التراكم مع عوامل أخرى ثقافية ومناخية؟ في جانب لابد أن للبيئة التي يعيش فيها كل من الفئتين دورا في اختيار أي المصدرين أساساً للملاحظة، والإحساس بالحاجة إليه. فشمال الكرة الأرضية البارد يحتاج إلى الشمس حيث تنشر الدفء في أغلب أيام السنة الباردة. أما أصحاب المناطق الدافئة أو الحارة في الجنوب، فنظراً لأن أغلب أيام السنة تكون الشمس فيها حاضرة وحارة، فإن ساعات النهار تكون غير محببة إلى الناس في التجول والحركة. كما أن الليل يكون أقل حرارة، وأجمل في قضاء الحوائج، أو السهر والسفر، خاصة مع وسائله القديمة المعتمدة على الحيوانات، التي تحتاج أيضاً إلى جو معتدل. ومن جانب آخر هناك دقة في الملاحظة في ثقافات الشمال؛ لاحظوا من خلال دقة دورة الأرض حول الشمس انها أصلح لحساب دورات الزمن، بينما عاش أصحاب ثقافات الجنوب في رومانسيتهم مع ضوء القمر الخافت، دون اهتمام بعدم انتظام دوراته الزمنية وتباين عدد الأيام في كل دورة.