د.احسان بوحليقة

أسرارك على قارعة الطريق

هناك حرب تدور بين الولايات المتحدة والعديد من الدول من جانب والصين القوة الاقتصادية الصاعدة والضاربة من جانب آخر. هذه الحرب هي بأسلحة غير تقليدية، وهي ليست موجهة للمرافق الحكومية بل للشركات أي للقطاع الخاص. وبالقطع، فالصينيون ينفون هذه الاتهامات ويقولون إن الغرب يريد أن يسلب من الصين ما أنجزته وهو بمثابة «معجزة» اقتصادية، فالصين -كما نعلم- استطاعت أن تتأقلم مع البيئة المتغيرة حتى قبل ظهور نتائج الحرب الباردة على السطح ما مكنها أن تحافظ على كينونتها نتيجة لذلك في حين أن الاتحاد السوفيتي -بالمقابل- تشظى! والملفت في الادعاءات الغربية أن لدى الصين «جيشا الكترونيا» يهاجم المنشآت الاقتصادية في القطاع الخاص وخصوصاً الشركات التي تزود القطاعات الامنية والعسكرية بالمعدات والسلع والخدمات؛ فمن خلال التجسس على هذه الشركات المزودة تتمكن الصين من معرفة الكثير والكثير عما يدور في القطاعات الحساسة سواء في الولايات المتحدة الأمريكية أو العديد من الدول الأوروبية بل والعالم ككل. وبغض النظر عن نفي الصين لهذه الاتهامات، وبغض النظر عما يدور من عراك «سايبرتيني» بين الصين ومناوئيها فالسؤال المهم هنا: هل قطاعنا الخاص في مأمن من هذه الحرب الضروس؟ ومرد هذا السؤال أن المملكة تلعب دوراً محورياً في صناعة النفط والغاز والبتروكيماويات في العالم ولديها مؤسسات صناعية وتجارية ومصرفية ومالية ذات وزن مؤثر اقليمياً وبعضها عالمياً..فهل تعي تلك المنشآت الاقتصادية التحدي الأمني والمعلوماتي الذي هي بصدده؟ وهل تقوم باتخاذ الاجراءات الاحترازية بما يوفر لها الوقاية من الهجمات التجسسية؟ العديد من المؤسسات والشركات الاقتصادية ستسارع للقول: نعم، وقد اتخذنا الاجراءات الضرورية، ولكن هل نسلم بما تقول، خصوصاً فيما يتعلق بالمنشآت ذات التأثير على اقتصادنا الوطني ككل؟ من الضروري أن يكون هناك طرف ثالث يطمئن لسلامة هذه المنشآت من ناحية أمن المعلومات، وهذا قد يتحقق على مستويين: الأول بالفحص والاطمئنان المباشر من خلال تطبيق بروتكولات محددة، والأمر الآخر تنبيه تلك المنشآت إن كانت قد وقعت فريسة للتجسس دون أن تدرك ذلك، وهنا تكمن الخطورة الأكبر، ذلك أن المنشأة قد تظن واهمة أنها ستشعر إن تعرضت لهجوم الكتروني، هذا الأمر قد يكون صحيحاً إن كان الهدف من الهجوم تخريبيا لتدمير بياناتها، لكن ما يحدث في حالة التجسس المعلوماتي أنه يتطابق تماماً مع التجسس التقليدي: يحدث دون أن تشعر أن ثمة أحد يتنصت عليك ويشاركك في أسرارك المالية والتقنية والتجارية! بمعنى أن الشركة قد تتعرض للتجسس المعلوماتي لشهور طويلة دون ان تدرك ذلك. وهكذا، وحفاظاً على سلامة الاقتصاد الوطني ومصالح المنشآت الاقتصادية في القطاعين العام والخاص التي هي جزء لا يتجزأ منه فلابد من اتخاذ خطوات لتوفير الحماية وهذه أقرب ما يكون إلى درع «سايبرتيني»  ينبه المؤسسات أنها تتعرض لنشاط تجسسي عبر حواسبها. وليس القصد أن نعيش في خوف وهواجس لكن الاستفادة من منظومة المعلومات والاتصالات تستوجب كذلك التعامل مع ثغراتها المعلوماتية، فكما ذكرت سابقاً في هذا الحيز هناك من يتراسل عبر البريد الالكتروني مقنعاً نفسه أن رسائله في مأمن في حين هي متاحة.. فمن منا يرضى أن تنثر أسراره التجارية على قارعة الطريق؟! أو أن يسترق أحدهم السمع عليه في مخدعه أو مكتبه؟! إذاً، احموا خصوصياتكم وتجارتكم.