د.مبارك الخالدي

لن تكون كملاعب كرة القدم !

لن تكون قاعات الفعاليات في الأندية الأدبية مثل ملاعب كرة القدم في اي يوم من الأيام، ولن تمتلئ بالناس امتلاء مدرجات الملاعب بالجماهير الغفيرة الهادرة بالأهازيج وبعواصف التصفيق.  قاعة للمحاضرات في ناد أدبي مكان، وملعب كرة القدم مكان آخر. لهذا لا يتفجر في داخلي الإحساس بالكارثة وكأن العالم مقبل على نهايته عندما أرى أن معظم المقاعد فارغة في أية قاعة في أي ناد. إذا كان هناك من يصر أو من يُقَيِّم نجاح الأندية على أساس امتلاء قاعاتها بالناس فان ذلك لن يحدث أبداً، ما يعني أن الأندية ستكون فاشلة في نظره مهما قدمت من برامج وفعاليات ثقافية تهدف الى الارتقاء بالوعي والذائقة وتكريس القيم النبيلة وتعزيز الجمال في الوجود.لن تكون قاعات الأندية الأدبية كالملاعب، أولاً، لأن ما يُقدم فيها نخبوي في جوهره، وسيظل نخبوياً، يتوجه الى شريحة من الناس، صغيرة حتمياً، تمارسه أو تحبه وتتفاعل معه. ولهذا لا ينبغي أن تصبح قلة اعداد حضور فعاليات الأندية مكدرة للخواطر وجارحة للمشاعر،الأندية كينونات ثقافية فقدت الكثير من أهميتها وبريقها، أو بتعبير آخر، تضاءلت حاجة الناس اليها حتى في أوساط الأدباء والمثقفين، نظراً لتوفر بدائل اخرى اصبحت تنافسها ، أو حتى تتفوق عليها، في اشباع وتلبية احتياجاتهم. هذه حقيقة أخرى لابد من الاعتراف والاقرار بها بدون مكابرةاو مثيرة للشعور بالاخفاق والفشل في نفوس العاملين فيها. ثانياً، الأندية كينونات ثقافية فقدت الكثير من أهميتها وبريقها، أو بتعبير آخر، تضاءلت حاجة الناس اليها حتى في أوساط الأدباء والمثقفين، نظراً لتوفر بدائل اخرى اصبحت تنافسها ، أو حتى تتفوق عليها، في اشباع وتلبية احتياجاتهم. هذه حقيقة أخرى لابد من الاعتراف والاقرار بها بدون مكابرة. الأندية تجاوزت في بعض أنواع أنشطتها وخدماتها مدة صلاحيتها. لم يعد من يحب الشعر في حاجة لتجشم عناء الذهاب الى أي ناد من الأندية الأدبية لحضور أمسية شعرية بينما في استطاعته توفير الجهد والوقت على نفسه بالاكتفاء بمشاهدة أمسية شعرية لشعراء مفضلين لديه عبر اليوتيوب، وبأي لغة من اللغات في العالم، أو يشاهد محاضرة لا يتوقع أبداً أن يحضر مثلها في ناد أدبي. أما إذا كان كائناً غير يوتيوبي، أو حتى غير تلفزيوني، فان أمامه البدائل فيما تنظمه المنتديات الأهلية من أمسيات وفعاليات ربما بالقرب من داره. هل يعني هذا الكلام أن الأندية في مأزق وجودي؟ نعم ولا! نعم في حال الاستمرار بادارتها بنفس الاسلوب الذي كانت تدار به عندما كانت الحاجة اليها في أوج شدتها، وكانت المكان الوحيد الذي يوفر للادباء والمثقفين ما يحقق لهم الإثراء الفكري والمعرفي والمتعة الجمالية فضلا عن  تعزيز أواصر العلاقات الإنسانية بينهم. ولا، عندما يعترف القائمون عليها بكل المتغيرات التي أفضت الى تآكل أهمية الأندية، وبحقيقة أنه يلزمهم التعامل مع هذا الوضع الحرج والمحبط برؤية تأخذ في الاعتبار تلك المتغيرات والسعي بجدية لبلورة خطط انتشال للأندية من هذا المأزق. لن يكون انتشال الاندية سهلاً وممتعاً كالمشي في روضة، ولن يكون مستحيلاً بالتأكيد ايضاً،  ولكن سأكون أنا كاذباً أو مدعيا لو كتبت أنني أملك حلولاً ناجعة للمشكلة، وما الكلام التالي سوى اقتراحات أتمنى ان تكون جيدة وقابلة للتطبيق: 1) تقليص أنشطة الأندية والاكتفاء بما لازال هناك حاجة اليه مثل النشر, والتوسع فيه ولكن ليس على حساب الجودة والكيف؛ 2) التركيز على تنظيم النوع من الفعاليات الذي تكون فيه المنافسة مرهقة أو غير ممكنة من قبل جهات أخرى (ندوات كبرى شهرية ومهرجانات وملتقيات متخصصة؛ 3) التركيز على الورش الإبداعية لتطوير مهارات المواهب الأدبية الواعدة؛ 4) الاحتفال بالمناسبات الأدبية والثقافية مثل يوم الشعر، والقصة، بشرط الإعداد الجيد لها؛ 5) تجنب التوسع بتنظيم انشطة خارج مجال نشاطها لأغراض دعائية أو كمحاولة يائسة لملء المقاعد في قاعاتها. كما قلت في البداية لن تنافس قاعات الأندية ملاعب كرة القدم في اجتذاب الجماهير!