حسن السبع

ربيع اللون الواحد

«وردة واحدة لا تصنع ربيعا». وفي رواية أخرى: «عصفور واحد لا يصنع ربيعا». سِيّان، فالمعنى واحد. أما ما هو مؤكد فهو أن مَثَلاً أو حكمة أو بيتَ شعر قد يلخص بكلمات قليلة سِفْراً ضخما. «عصفور واحد لا يصنع ربيعا». ومع أني اتخذت هذه العبارة عنوانا لمقال سابق لم يجفّ حبره بعد، إلا أن أجواء ما يسمى بـ»الربيع العربي» تغري بالعودة إلى هذه العبارة مرة أخرى. وبعد: إذا كان الربيع رمزا للحياة، فإن استبداديةَ الصوت الواحد، واللون الواحد، والفكر الواحد، مناقضة لطبيعة الوجود. هكذا أفهم تلك العبارة/ الومضة على أنها دعوة للقبول بما في هذا العالم من تنوع، وعدم اختزاله في فكر أحادي التوجه. وقد قيل: «من يعرف كثيرا يغفر كثيرا». ومن يعرف كثيرا يتسع صدره لسماع الأصوات الأخرى، ويغدو أكثر تقبّلا للآخرين وتفهما لاختلاف الثقافات. أذكر أني تطرقت من قبل، وفي سياق آخر، إلى حكاية السائح الأوروبي الذي رأى صينيا ينثر الرز على قبر أحد أقربائه فسأله باستخفاف: هل سيخرج صاحبك من قبره ليأكل هذا الرز؟ عندئذ رد الصيني باستخفاف مماثل قائلا: لا .. ولكن قل لي هل يخرج موتاكم من قبورهم ليشموا باقات الورود التي تضعونها عليها؟ حكاية لا تحتاج إلى تعليق، فهي تعكس موقف من ينكر ذلك التنوع والاختلاف،  ومن يريد أن يشكل العالم وفقا لرؤيته المحدودة، ولو تولى مقاليد الأمور لألبس الناس زيا موحدا.أن كل مسعى لا يجد قبولا كليا، ويتعارض مع مبدأ التعدد والتنوع هو نموذج لاستبدادية الذوق الواحد والفكر الواحد، وأن قيمة أية فلسفة تكمن في تناغمها مع طبيعة الحياة وقوانينها، ومع القيم الكونية المشتركة وحركة التاريخ. لذلك فإن ربيع «العصفور الواحد»، والصوت الواحد، واللون الواحد ليس ربيعا.لا يجد «المرضى» بالعالم وتنوعه وسيلة لفرض حقائقهم الخاصة غير العنف بشقيه اللغوي والجسدي. ترى المدن مزدهرة مستقرة، تعج بالحركة، وتضج بالحياة، وتنعم بكل مظاهر التمدن، حتى يصلها «هكسوس» هذا الزمان فتتحول إلى أنقاض وخرائب، وزوابع تصادر كل فصول السنة. لكن من يحقق أهدافه على الأنقاض والخراب لا يصنع ربيعا. وقد عبر الشاعر التركماني عبد اللطيف بندر أوغلو عن توجه مشابه في إحدى قصائده فقال: «بوسعك أن تكون كل شيء. صاعقة حارقة، نهرا يغرق، سيلا مهلكا. نعم، بوسعك أن تكون كل شيء من أجل تحقيق هدفك، ومن أجل أن تسرق السعادة من الآخرين».  في مضمار الأفكار والتوجهات، وتأسيسا على تلك المقدمات، يمكن أن نتساءل: هل يستطيع توجه ما أن يستوعب العالم بما فيه من تنوع واختلاف؟ وهل هو مما يمكن تعميمه؟ وهل ينسجم مع قانون التطور المبدع الصاعد في اتجاه المستقبل؟ وهل يساعد على إنتاج مجتمع يتمتع أفراده بحرية الإرادة والقدرة على التفكير والاختيار؟ وهل يميز ذلك التوجه بين الحياة العامة للمجتمع والحياة الخاصة للفرد؟ أثير هذه الأسئلة للتأكيد على أن كل مسعى لا يجد قبولا كليا، ويتعارض مع مبدأ التعدد والتنوع هو نموذج لاستبدادية الذوق الواحد والفكر الواحد، وأن قيمة أية فلسفة تكمن في تناغمها مع طبيعة الحياة وقوانينها، ومع القيم الكونية المشتركة وحركة التاريخ. لذلك فإن ربيع «العصفور الواحد»، والصوت الواحد، واللون الواحد ليس ربيعا. فإذا نجح فإن نجاحه مؤقت، وهو مرهون بغياب الوعي، والانسداد الفكري، ولا عجب أن يعشش ويفرخ بين العامة وفي الأوساط الشعبية، حيث يشتعل البسطاء حماسة عند سماع خطب الحناجر الفولاذية التي لا تحسن إلا الصراخ. وحيث يصبح أولئك البسطاء وقودا للحرائق التي يشعلها الحواة، وينتظرون أية معركة عبثية ليشبعوا فيها موتا.