المستضعفون في السوق
هل كلمة «مستهلك» مرادفة لكلمة «مستضعف»؟ هناك من يمارس مع المستهلك مقولة «أكلك منين يا بطة»، وهناك من يسعى لاستغفاله بعروض لا يمكن أن تكون دقيقة، وهناك من يشغل ذهن المستهلك ليل نهار بوابل من الدعايات عبر التلفزيون والراديو ومتصفح الانترنت وتطبيقات الجوال فيلاحقه ملاحقة لصيقة حتى يوقع به ويشتري، فما أن يشتري حتى ينقلب البائع إلى استراتيجية «الوجه من الوجه أبيض»! وبطبيعة الحال هناك من ينظر إلى أن التجارة شطارة وأن المستهلك «ابن حلال» يصدق ما يسمع ولا يتمعن ويدقق ويتفحص. ومع التعقيد المستمر في المنتجات وتوافر المزيد منها أصبحت مهمة أن يحافظ المستهلك على حقوقه مستحيلة. فقبل مائة سنة مثلاً كانت المنتجات والخدمات التي استخدمها الأجداد محدودة جداً وكانت صفقات البيع والشراء بتقليدية وبطء تؤطرها الثقة، أما حالياً فالمنتجات كثيرة والخدمات أكثر وإيقاع الحياة سريع وقد فقدنا الإطار، فأنت تشتري ممن لا تعرف ومن أنحاء العالم كافة بل بوسعك أن تشتري جهاز تليفون جوال مستعملًا من بلد بعيد عنك وتدفع له ببطاقة الائتمان، أو أن تطلب البيتزا المفضلة لديك أو سندويتشات للعشاء عبر الانترنت وتصلك خلال دقائق. قواعد اللعبة اختلفت أما اللعبة نفسها فلم تتبدل: بيع وشراء. الإشكال اننا في خضم عجلة النمو السريع والانتقال من الاطر التقليدية للتجارة للأطر المعاصرة لم نستوعب تماماً هذه الأطر، فلم نعد لها البنية التحتية اللازمة، ولعل من أهمها كيفية الحفاظ على حقوق المستهلك من الانتهاك. الأمر يقوم أساسًا ان البائع عليه أن يمارس تجارته وفقًا للأسس الشرعية والقانونية فمسئوليته لا تنتهي بمجرد أن يقبض الثمن، باعتبار أنه قبض الثمن مقابل تقديمه سلعة بمواصفات معينة، فهل قدمها؟ احياناً لا يقدم البائع كل ما وعد به، هنا المربط: هل بوسع المستهلك أن يجعل البائع يوفي بما وعد به؟ في الغالب الأعم المشتري لا يستطيع إلا إذا كان البائع راغبًا. وهناك من سيقول: أستطيع أن أرغم البائع للوفاء بما وعد به. أقول: نعم، قد تستطيع إذا جعلت ذلك قضية حياتك وقررت أنك تنتفض لكرامتك ومن أجل ذلك ستذهب للمحاكم وستفعل كل ما تستطيع للحصول على السلعة الموعودة أو استرجاع أموالك. حقوق المستهلك تصان بوجود قوة رادعة تمنع أي بائع من تحقيق المكاسب نتيجة للغبن والغرر. وحماية حقوق المستهلك لا تتحقق تلقائيًا من خلال وكالة في وزارة رغم أهمية وجود أجهزة مختصة ضمن التشكيلات الحكومية، بل بجملة متطلبات منها ان تعمل تلك الأجهزة كمنظومة لتحقيق هدف محدد وهو صيانة حقوق المستهلك من الانتهاك وعدم تمكين «الشطار» من تحقيق مكاسب غير مشروعة. تذهب حاليًا للسوق وتحدث النفس بأنك تريد شراء «لمبات» اوروبية فتجدها صينية! من يفتش على البضائع في المحلات ومطابقتها للمواصفات؟ قبل أيام مررت بمحاذاة إحدى الصيدليات فوجدتهم ينقلون أدوية بعضها ترك في الشمس؟ كيف نتأكد أن الاشتراطات تنطبق دائمًا على حسن التخزين والمناولة؟ الحديث يطول لكن النقطة أن علاقة البيع والشراء ليست بين بائع قوي ومستهلك ضعيف فحقوق المستهلك تصونها عشرات الأنظمة واللوائح والأجهزة الحكومية بقي أن تعمل كمنظومة واضعة نصب أعينها ليس حماية المستهلك أو حتى حقوقه بل حماية النظام العام الذي يتجرأ عليه بعض التجار والباعة، هذه الجرأة يجب أن تردع بصرامة وحزم وبذلك نحافظ على حقوق الأطراف جميعًا حتى المستضعف منها.