د. فالح العجمي

هل يستحق السعوديون طرقاً حديثة ؟

السؤال بطرحه المباشر، تكون الإجابة عنه بالتأكيد نعم، لأنهم كغيرهم من الشعوب يستحقون حياة كريمة؛ لكنه إذا طرح بصورة نقدية موافقة لوضع البلاد، وأحوال الطرق فيها، وعلاقتها بمستخدميها تصبح الإجابة الأولى فيها نظر. كانت طرق البلاد إلى فترة السبعينيات الميلادية من القرن الماضي في أوضاع يرثى لها؛ سواء بين المدن، أو في شبكات الطرق داخل المدن. وكان الناس يستخدمونها مع شعور بالراحة، مقارنة مع غيرها من الطرق غير المعبدة، حتى وإن توزعت فيها الحفر المتفاوتة الأحجام، أو غطت جوانب منها الرمال المتحركة لنقص الصيانة فيها. وما أن زادت الطرق اتساعاً، وتعددت امكاناتها للوصول إلى المدينة الواحدة، أو للوصول إلى الهدف داخل المدينة، حتى أصبح الناس قلقين من استخدامها، بالرغم من حداثة السيارات، وتوفر امكانات الراحة فيها، وزيادة أعمال الصيانة للطرق الداخلية والخارجية. فأين يكمن سر ذلك القلق؟في الواقع إن المتتبع لأحوال الناس في حركتهم المرورية اليومية يلحظ - دون شك - توتراً كبيراً في طريقة استخدام السائقين طرق السير، ويزداد ذلك التوتر كلما ازدادت الطرق اتساعاًفي الواقع إن المتتبع لأحوال الناس في حركتهم المرورية اليومية يلحظ - دون شك - توتراً كبيراً في طريقة استخدام السائقين طرق السير، ويزداد ذلك التوتر كلما ازدادت الطرق اتساعاً، فالناس يتقافزون بسياراتهم من فوق الأرصفة، ومن مخارج الطرق الفرعية، بل وأحياناً يعكسون السير، ليقفوا في منتصف التقاطع، عدا عن قطع إشارات المرور المبكر أو المتأخر أو حتى في منتصف وقت الإشارة الحمراء. أصبح تخطيط المسار المخصص للانعطاف يميناً قبل الإشارة لا يعني شيئاً، فلا يمنعهم إلا وجود رصيف عالٍ وحادّ، ومع ذلك نرى أحياناً سيارات تهور سائقوها، لأنهم أرادوا الالتفاف على الطوابير الطويلة، ليختصروا طريق الوصول إلى التقاطع؛ فتعلقت سياراتهم على تلك الحواجز الاسمنتية. والناس تهرع لمساعدتهم، ولا أحد يفكر في معاقبتهم. أي مجتمع هذا، وأي أنظمة مرور تسود؟ المخالف يحقق مبتغاه بالوصول قبل غيره، ولا يتعرض لأي عقاب، بل وفي كثير من الأحيان لا يناله أي ازدراء؛ فيقلده الآخرون، وتصبح ظاهرة شائعة، يتفشخر بها بعض الشباب أنهم "شاطرين" و"ذيابة" ... إلخ من أوصاف التلاعب باللغة. كثير منا شاهد الشكاوى من نظام ساهر، الذي لم يتعلق إلا بجزئية السرعة إلى الآن، رغم ما قيل من الرغبة في توسيع مجاله. فقد تعرض لنقد شديد في الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع، بل وإلى تعديات بمحاولات الإزالة أو رش الكاميرات بسوائل تمنعها من عملها أو تتلفها، أو بتغطيتها. وقيل عن النظام إنه يقصد منه جباية المال بطريقة غير مشروعة. بل إن بعض رجال الدين الكبار قد سارعوا إلى نقده، وتحريم المال الذي يجبى عن طريقه (على طريقتهم في وضع إجراءات الدولة في محل مساءلة من أجل كسب مزيد من الأتباع). وكثير منا يعرف طريقة قيادة السعوديين في البلدان البعيدة أو المجاورة؛ حيث ينقلب أولئك الذيابة المتوحشون إلى خراف وديعة. فيلتزمون بكل أنظمة المرور، لأنهم يعرفون أن لا تراخي في تطبيق أنظمة المرور. فلماذا لا تقوم وزارة الداخلية ممثلة في إدارة المرور بالعمل بحزم على إصلاح هذا الوباء الذي يفتك بأرواح الناس، ويقلق كثيراً من الأسر على أرواح أولادهم وأموالهم بسبب أنانية تلك الفئات المتزايدة عدداً، وشراسة أخلاقهم؟ مما يؤدي إلى تنفس الناس العاديين الصعداء بعد العودة من أي مشوار في مناطق التكدس، أو أوقات الذروة؛ ليس لطول الوقت اللازم له، بل للأذى النفسي وربما المادي الذي قد يلحق بالناس في أي لحظة. رأيت في أحد الفيديوهات المسربة عن تطبيق نظام مراقبة بالكاميرات لدى مرور الكويت؛ وبالرغم من أن مسرب الفيديو كان يحمد ربه على أن التطبيق الصارم لأنظمة المرور المطبقة في الكويت لم يستنسخ لدينا، ليضيف أعباء مالية أكثر من وضع ساهر الآن، الذي لا يتعامل إلا مع السرعة. وقد كان ذلك النظام رائعاً لكون الكاميرات تحت رقابة بشرية، ووضعت في أماكن عالية فوق التقاطعات والطرق السريعة، التي تشكل شرايين رئيسية للبلاد. وقد شملت جميع المخالفات، التي ينص عليها نظام المرور؛ من تغيير المسار، إلى تعطيل الحركة وغيرهما من المخالفات. وأظنه لو طبق عندنا دفعة واحدة، ودون مداهنة لمحبي المخالفات، أو داعميهم، لاعتدلت قيادة الناس في طرقنا؛ فالأنانيون لا يؤلمهم مثل الضغط على جيوبهم!