أخلاق الأسماك الكبيرة
في كتابه (الخيار القاسي: رؤية جديدة في نظرية التنمية) يقترح دنيس جوليه تضييق الهوة التي تفصل بين البلدان الغنية والفقيرة. على اعتبار أن العالم أصبح قرية كبيرة، وأنه لا يمكن لأي مجتمع أن يشق طريقه بمعزل عن المجتمعات الأخرى. أما بيت القصيد فهو تأكيده على القيم والقواعد الأخلاقية التي ينبغي أن تحكم التعامل بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات النامية. لكن الرياح لا تجري بما تشتهي سفن المؤلف، فالقواعد الأخلاقية المتبعة في تعامل الغرب مع مجتمعات البلدان النامية أقرب إلى قواعد الأخلاق في بورصة (وول ستريت).يستطيع المتابع لخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية في بعض بلدان جنوب شرق آسيا أن يلاحظ ذلك التصميم على اللحاق بقطار التنمية الغربية، وتحقيق علاقات قائمة على الندية، إدراكا من صنّاع القرار بأن السمك الكبير، في محيط السياسة والاقتصاد، يأكل السمك الصغير.وعلى النقيض مما ذهب إليه جوليه، الذي يرى أنه لا يمكن تحقيق تنمية فعالة، شمالا أو جنوبا، ما لم «تتحول الأخلاق إلى وسيلة الوسائل»، هنالك من يزعم أنَّ تَبَنّي قضايا الفقراء في العالم الثالث هو شكل من أشكال النفاق، ويقترح، ويا لغرابة الاقتراح، أن يُترك قرويّ العالم الثالث الذي لم تصل إليه معطيات الحضارة المادية في حاله، كي «يسعد» بفقره بعيدا عن الموقد الكهربائي والثلاجة والغسالة والتلفزيون، وبقية المعطيات المادية، وحجته أن المواطن الفقير هناك سيكون أسعد حالا قبل أن تدخل تلك البضائع الاستهلاكية حياته، وأنه سوف يشقى من أجل توفيرها، أو سيحزن إذا حُرم من اقتنائها! منطق لا ينسجم مع قواعد العيش الإنساني المشترك، و»حلم» الاندماج الحضاري. لكن، إذا تركنا هذا الطرح المتعلق بمعطيات الحضارة المادية جانبا، لأنه لا يخدم مصالح الغرب الحريص على البحث عن أسواق لبيع منتجاته، فإن ذلك المنطق الذي يرشح أنانية واستعلاء يطبقه ساسة الغرب، وبطريقة برجماتية، في الجانب المتعلق بالقيم الإنسانية المشتركة كالعدالة الاجتماعية والحرية والمساواة، وكذلك النظم الإدارية والسياسية الحديثة. ذلك أن سدنة البرجماتية من الساسة الغربيين ليسوا حريصين على مساندة وترسيخ تلك القيم في بلدان العالم الثالث إذا رأوا أنها تتعارض مع مصالحهم السياسية والاقتصادية. وإن تظاهروا بخلاف ذلك. ولا فرق في ذلك بين المحافظين وسواهم. فكل الخطب والتصريحات التي تقول غير ذلك هي للاستهلاك وذر الرماد في العيون. موقف برجماتي تلخصه العبارة الشعبية القائلة «اللي تكسب به العب به»! أيا كانت نظافة أو قذارة ورق اللعب. وإذا كانت «الأفكار الصحيحة هي تلك التي تحقق أهداف الناس على نحو أفضل» كما يعتقد البرجماتي الغربي، فإن رجل السياسة هناك قد يتساءل: «أهداف من؟» أهدافنا أم أهداف مواطني العالم الثالث؟ وإذا كان اليقين، من وجهة نظر برجماتية، هو ما يخدم الفائدة، فسوف يعيد السياسي الغربي تكرار السؤال نفسه «فائدة من؟» وهكذا.. بعض قادة العالم الثالث، أدركوا أن الغرب ليس «جمعية خيرية»، لكنهم لم يشغلوا أنفسهم بهجاء الغرب الذي يبحر وفقا لبوصلة مصالحه، ولم يعلنوا الحرب عليه، بل ركزوا على نقد الذات، وإصلاح البيت من الداخل. استفادوا من تجارب الغرب الثقافية والسياسية والاقتصادية، لكنهم طبقوا في الوقت نفسه الحكمة القائلة: «ما حكَّ جلدَك مثل ظفرك». ويستطيع المتابع لخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية في بعض بلدان جنوب شرق آسيا أن يلاحظ ذلك التصميم على اللحاق بقطار التنمية الغربية، وتحقيق علاقات قائمة على الندية، إدراكا من صنّاع القرار بأن السمك الكبير، في محيط السياسة والاقتصاد، يأكل السمك الصغير.