د. احسان بوحليقة

جامعاتنا .. تعيش في عالم آخر!

انطلق برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث في وقت لم تك جامعاتنا تمتلك السعة والتنوع التي يطمح لها خريجو الثانوية العامة والتخصصات التي يتطلبها سوق العمل، وبذلك يكون البرنامج قد جسّرَ لفترة حرجة عانى فيها سوق العمل من نقص في الخريجين والخريجات في مجالات عدة، ولا ينفصم عن انطلاقة البرنامج تأسيس جامعات حكومية رئيسية في مناطق المملكة كافة وزيادة مخصصات الميزانية العامة للجامعات القائمة. وعلينا تذكر أن غياب جامعاتنا - آنئذ - عن متطلبات سوق العمل من جهة وعدم اكتراث جهات حكومية ذات صلة عن التنسيق مع الجامعات قد فوت على اقتصادنا الوطني تعظيم الاستفادة من الموارد البشرية السعودية. ولابد من التنويه إلى أن القصور عن الوفاء بمتطلبات سوق العمل أمر يختلف عن المواءمة اختلاف المعدوم عن الموجود. ولعل من المناسب إعطاء مثال، فكما نعلم جميعاً ان صناعة التأمين في المملكة لم تك منظمة إلا بعد صدور نظام مراقبة التأمين التعاوني وحدد النظام مؤسسة النقد العربي السعودي كجهة قيمة أو منظمة لقطاع التأمين وكذلك حدد النصوص الحاكمة لممارسة أعمال التأمين من قبل شركات مساهمة عامة لا يقل رأسمال الواحدة منها عن 100 مليون ريال. وعندما صدر النظام ولائحته التنفيذية وبدأت الشركات تتأسس وتدرج في السوق المالية لم تك أي من جامعاتنا الحكومية لديها برنامج يمنح (بكالوريس) في التأمين أو ماجستير إدارة أعمال بتخصص تأمين! بمعنى أن هناك شركات تأمين تتأسس برؤوس أموال كبيرة نسبياً وليس هناك رافد تعليمي يوفر لها الكوادر البشرية المواطنة. السؤال: من كان يجب أن ينسق مع من؟ وكما يقال «الحكي في الماضي قلة عقل»، وليس الهدف هنا «تقليب المواجع» ولكن التذكير بها حتى لا تتكرر. وعلينا التذكير أننا في حالة التأمين لم نك أمام تفويت بضع وظائف، فالتأمين صناعة تتفرع منها أنشطة رئيسية وفرعية ومساندة، ويبرر تخريج طلاب وطالبات وافتتاح أقسام في الجامعات، لكن هذا لم يحدث حتى الآن. ما الذي حدث لوفاء شركات التأمين باحتياجاتها؟ اختطاف السعوديين ممن لديهم خبرة، ولكن في الأساس استقدام الموارد البشرية من الخارج! وهكذا تطايرت مئات الوظائف القيمة نتيجة لعدم التنسيق بين جهات حكومية مسئولة عن التعليم العالي وأخرى مسئولة عن صناعة التأمين. ولابد من الاقرار أن الأمر لم يبدأ بالتأمين ولم ينته به؛ فتنوع الاقتصاد السعودي يحدث بالتدريج لكن المؤسسات التعليمية لا تواكب احتياجاته كماً ونوعاً، فمعاناة سوق العمل السعودية تتجسد في شح المواطنين المؤهلين، وليس لنقص في عددهم بل لانعدام (أو على أفضل الأحوال ضعف) التنسيق بين طرفي العرض والطلب! بل يمكن بيان أن الوضع لا يتحسن مع مرور الوقت، أنظر مثلاً للمهن الأساسية كالطب والهندسة والمحاسبة لتجد أن جامعاتنا تعيش في برج عاجي من حيث انها ليست معنية بتلبية احتياجات سوق العمل المحلية، بل معنية بأن تساهم بما تستطيعه، بمعنى أن الطلب على الأطباء له مساره أما ما يعرض (أي تخرجه الجامعات من أطباء) فذلك أمر آخر! إذ يبدو أن الجامعات ومنظومة التعليم العالي لا تعمل أو لا تقبل أن تعمل تحت ضغوط وإملاءات سوق العمل! وهكذا نجد أن انطلاقة برنامج الابتعاث لضخ الخريجين لسوق العمل بحاجة لنظرة استشرافية نابعة من واقع السوق تحدد احتياجات السوق من الخريجين والخريجات، إذ ليس واضحاً المنهجية التي يتبعها البرنامج لتحديد التخصصات وعدد البعثات المخصصة لكل تخصص.. والأمر ذاته ينطبق على جامعاتنا التي أتمنى من أحد أن «يدلها على السوق».