تاريخ الخطوط الحمراء
حسب ما يشير إليه عالم النفس الشهير كارل يونج، فإن الألوان تمثل أنماطاً بدائية دالة على الطبائع النفسية للبشر. فالألوان بشكل عام ترتبط بتاريخ طويل من التفاعل الثقافي، وعمليات إسقاط ما يشعر به الإنسان على أحد ألوان الطبيعة، أو بعض الألوان الممزوجة المبتكرة. لذا اهتم بها علماء الفلسفة والنفس، وكذلك دارسو اللغة والأدب، بوصفها انعكاساً لقضايا ثقافية في المجتمعات، ونفسية لدى الأفراد. لكن استقبال اللون في الأذهان يختلف كلياً عن وجوده الحسي في الطبيعة؛ من أجل ذلك اختلف الناس في النظر إلى ألوان محددة، وفي تصنيفها كذلك. بل إن موضعتها في الإطار الثقافي والنفسي وأثرها يختلفان من شخص إلى آخر في الحالة الواحدة نفسها. واللون الأحمر - المرتبط بموضوع هذه المقالة - على وجه الخصوص ذو إثارة متميزة، وهناك من يقول إن الرياضي يفضل اللون الأحمر، وأن هذا اللون حسب وصف بعض العلماء المتخصصين يكون مصدراً للطاقة والعاطفة، فلماذا لم يصف العرب به أنفسهم، بل وصفوا به الروم، ونسبوا اللون الأسود إلى أنفسهم؟ كما أنه في التراث العربي القديم تستخدم عبارة «الأسود والأحمر» للدلالة على جميع البشر.هل كان القدماء يأنفون من مناقشة القضايا الشديدة الخطورة؟ أم هل كانت الأجيال السابقة تتحاشى مثل هذه الموضوعات، وتضع حدوداً لما تجدر مناقشته، وما يستبعد من التناول؟ في الواقع إن استقراء التاريخ القريب والبعيد يشير إلى عدم وجود أي نوع من الحدود، ولا أي لون من الخطوط الحمراء أو الصفراءوفي الأنظمة السيميائية الحديثة يستخدم اللون الأحمر - خاصة في منظومة أعلام الدول - للدلالة على الإقدام والدم والشجاعة. ويتمثل ذلك التوظيف في أعلام كل من أفغانستان والنمسا وإيطاليا وبلغاريا وبوروندي وتشيلي والإكوادور. فاللون الأحمر محبوب أو مرغوب أحياناً، ومكروه في حالات، ومظلوم أحياناً أخرى. محبوب لدى الأطفال، الذين ينجذبون إليه، ومرغوب لدى النساء في اختيار ملابسهن، خاصة في مرحلة المراهقة، ومحاولات جذب الشباب، أو لفت أنظارهم إليهن. لكنه مكروه في حالات متعددة منها: استخدام حكام الألعاب الرياضية له في المباريات من وجهة نظر اللاعبين، الذين يعني لهم الطرد من المباراة؛ ووجود إشارات المرور الحمراء في أوقات الزحام بشوارع المدن المكتظة بالسيارات؛ وربما تشترك في تلك الكراهية مع البشر الثيران، التي تغامر كثيراً لتلاحق من يحمل اللون الأحمر، سواء كان ذلك الأمر بتدبير من البشر أو دونه. أما عن أسباب اتخاذه رمزاً للمنع والتوقف، كما في إشارات المرور، أو في مسارات الدخول في منافذ الجمارك على حدود الدول، أو حتى في إشعار مواقع التسجيل الالكتروني بأن خطأ ما قد وقع في إدخال المعلومات، أو نقص بعضها، أو رفض الدخول لخطأ في الاسم المخول أو الرقم السري للدخول، وكذلك في تصحيح أوراق امتحانات التلاميذ في المدارس، أو الطلاب في الجامعات، كل تلك أمور لا بد من النظر إليها من منطلق التعود على ارتباط اللون بتلك الدلالات السيميائية. لكن ما أنا بصدده في هذه المقالة، هو مستوى مجازي لهذا اللون توصف به حدود الناس، أو قدرتهم على السكوت أو التحمل. فإذا أراد بعض الناس في ثقافات متعددة أن يعبروا عن عدم سماحهم لآخرين بالتعدي على شيء عزيز عندهم، قالوا: هذا بالنسبة لي خط أحمر؛ أي لا أسمح لأي أحد بتجاوزه. ما أنواع هذه الخطوط الحمراء لدى المجتمعات المختلفة التي تستخدم التعبير نفسه؟ وهل هي حدود وهمية أم محددة، وهل هي لجميع الناس، أي يضعها المرء، لكي يمنع أي أحد من تجاوزها، أم يحددها لفئات دون أخرى؟ كل هذه الأسئلة مشروعة، لكن الأهم من كل ذلك هو ما يتعلق بقدرة من يقول ذلك على منع من يريد تجاوز تلك الخطوط الحمراء من فعل ذلك. أحد الأصدقاء جعل الحديث عن الرياضة في مجموعة على الواتساب، وخاصة عن فريقه الذي كان يخسر كثيراً، خطاً أحمر، وآخر يقول: الحديث عن الدين خط أحمر، حتى لو كان حديثاً تحليلياً فيما يدخل في الدين، أو لا يدخل. وثالث يرى أن تناول أمور تخص زوجته من المحظورات، حتى لو كان عن عملها أو طريقة لبسها في السفر، وغير ذلك أنواع من الخطوط الملونة. فهل كان القدماء يأنفون من مناقشة القضايا الشديدة الخطورة؟ أم هل كانت الأجيال السابقة تتحاشى مثل هذه الموضوعات، وتضع حدوداً لما تجدر مناقشته، وما يستبعد من التناول؟ في الواقع إن استقراء التاريخ القريب والبعيد يشير إلى عدم وجود أي نوع من الحدود، ولا أي لون من الخطوط الحمراء أو الصفراء.