د.احسان بوحليقة

أريد أن أعود لدمشق !

كتبت مراراً في هذا الحيز عن سوريا، وحدثتكم مبكراً عن المهجرين من أشهر طويلة وتفاقم معاناتهم، ولم أرو لكم قصصا تشبه الأساطير ليس في شاعريتها بل بما نشاهده على الشاشات وفي مقاطع «اليوتيوب» ونشرات الأخبار. وإن نسيت فلن أنسى ما حدثني به أحدهم عن كيفية تدفق المهجرين السوريين إلى الأردن وسواها، وكيف ينتهي الأمر بالكثير منهم لأن يبحث عن فرصة للرزق ليقيم أوده ومن يعيل. وقبل أيام قليلة أعدت سي إن إن تقريراً حول المخيمات ومعاناة اللاجئين هناك، وبالأمس أطلقت الأمم المتحدة أكبر جهد إغاثي في تاريخها تقدر متطلباته بنحو خمسة مليارات دولار لإعانة السوريين الذين أجبرتهم الحرب لترك وطنهم وأعز ما يملكون فراراً بأرواحهم. وقابلت كما قابل الكثير منكم سوريين أصدقاء وزملاء عمل بل وحتى من تقابلهم مصادفة في مسارات الحياة فتجد جرحاً غائراً في أرواحهم لما آلت إليه بلدهم، وتجد -ستتفق معهم- أن البعد الانساني هو الأكثر إيلاماً؛ الألم في التهجير ومعاناته اليومية وفي فقد الأهل والمال وفي تمزق الوطن. هناك من لا يرى من الحرب في سوريا سوى تداعياتها السياسية، وهناك من يرى أن الأمر تحول أو هو من الأساس تناحر وتنافس بين الطوائف. وليس ما أقوله من باب التجاوز أو القفز فوق معطيات حرب تجاوزت في أهوالها التصور، لكن وسط السيل المتدفق من الحديث عن الحرب يجب ألا يضيع السعي للرفع والتخفيف من المعاناة الانسانية فهي تجعل حياة الملايين من السوريين جحيماً، فالجميع يدرك سوء الأوضاع المعيشية في المخيمات، بل ان هناك تخوفاً على سلامة من هم داخل تلك المخيمات. ووسط دعوات الأمم المتحدة لاطلاق برنامج إغاثي كبير للتخفيف من آلام السوريين..ضروري أن نعزز ونساند الجهد الانساني بكل قدراتنا. وبالتأكيد ليس الأمل ولا الطموح أن يوطن السوريون في مخيمات خارج حدود بلدهم بل السعي حثيثاً لرعاية الطفل والمرأة وإيجاد البيئة الآمنة ريثما يعود السوريون إلى بيوتهم في بلدهم. قد يستخف البعض بالأهمية الحرجة للجانب الانساني، لكنه استخفاف في غير محله والسبب أن آلام وتكلفة الحروب هي في مآلاتها وتداعياتها، ومن يعايش ويتأثر بتلك التداعيات هو من هُجِرَ من وطنه وشرد. ورغم الآلام المريعة لكن يبقى نوعٌ لا يمكن وصفه يترقرق في دمعة رجل قوي ترك وطنه قسراً، قابلت أحدهم في مطعم فسألته عن أهله ومعيشته وبثثت تمنياتي ودعواتي أن يعود، كان خوفه وهاجسه ألا يعود لبلده وأن يبقى مهجراً بين البلدان، قال والألم يعتصر الشاب اعتصاراً: أريد أن أعود إلى الشام، هذا كل ما أريد. لقد عرف العرب منذ القدم الحرب وذكروا في أشعارهم أهوالها وآلامها، ورسم شعر الحكيم دريد بن الصمة مشهد الحرب بتفاصيله، ولم يفت عنترة في قصائده أن يفصل كيف فتك بمن يبارزه وأين كان مقتله، لكن تبقى حكمة دريد التي تتحدث عن مآلات الحرب التي هي الأكثر إيلاماً والأعلى تكلفة، ولذا -وللأسف- تبرز هذه المعاناة الانسانية وتتفاقم مع امتداد أمد الحرب.. وبالتأكيد، لن تعوض الأمم المتحدة وبرنامجها الاغاثي طفلاً أو إمرأة أو أسرة عما فقدته، لكن جهودنا كعرب يجب  أن تسود في هذا الجانب بالبذل والعطاء وأن يشرق على سوريا يوم جديد يلم شملها ويصون دماء وأعراض وأموال وآمال أبنائها وبناتها صغاراً وكباراً.