د. فالح العجمي

القدرات الخارقة .. وحكيم الزمن الواحد

كان فيلم «الرجل الذي يستطيع فعل المعجزات»، الذي أنتج سنة 1936م، والمؤسس على قصة قصيرة لإتش جي ويلز مفارقاً بكل المقاييس. وتتمثل القصة في كون بائع خردة بسيط قد وجد نفسه فجأة يمتلك قدرات خارقة تمكنه من جعل الشموع تطفو، وأن يغير لون الماء، وأن يجهز وجبات فاخرة من الطعام. وفي البداية استخدم قدراته للتسلية ولفعل الخير، ولكن غروره وشهوته للسلطة تغلبا عليه في النهاية، وأصبح طاغية متعطشاً للسلطة، يمتلك قصوراً وثروات لا تصدّق. ولأنه تحول إلى تابع إلى هذه القدرة التي لا حدود لها، فقد ارتكب خطأ قاتلاً، بأن أمر الأرض بالتوقف عن الدوران. وفجأة تثور فوضى لا توصف، عندما ترمي رياح عنيفة كل شيء إلى الهواء بسرعة 1000 ميل/ الساعة، وهو معدل دوران الأرض؛ وترمي البشرية كلها إلى الفضاء الخارجي. وفي حالة اليأس، التي اعترته يطلب رغبة أخيرة: أن يعود كل شيء إلى ما كان عليه.سارت أموره في العمل على ما يرام، بالرغم من أنه لم يكن مطمئناً إلى روتينه الجديد في العمل، وغير متصالح مع نفسه فيما يؤديه خلال ساعات عمله، ولا في طريقة تعامله مع المراجعين، أو مع رؤسائه وزملائه. أما الوضع الأسوأ فقد حلّ في منزله.تذكّر صاحبنا أحداث هذا الفيلم، وهو يتأمل ما يحدث للبشر، ومفكراً: في بقاع توقف فيها الزمن يكون المرء فيها مطالباً في كثير من الأحيان بمراعاة الزمنين؛ الزمن الذي توقفت فيه حياة الناس في ذلك المجتمع، والزمن الذي يعيشه المرء في واقعه الفعلي. كما يلزمه فك الاشتباك، وحل مشكلات التناقض بين شروط الزمنين المختلفين، لأن إيقاع الحياة الجمعية يفرض رؤى لا تتناسب مع رؤية العصر الحديث، حتى وإن أظهر أفراده شيئاً من الحداثة الشكلية. الكارثة الحقيقية في مثل هذه الحالات أن من يملك عقلاً منفتحاً على أحوال الكون والمجتمعات البشرية، ولديه حاسة نقدية تجعله يتصور المسارات المفترضة لطبيعة الحياة، سيكون في وضع يُرثى له. فطموحه سيجعله يرغب في تحقق الأفضل له، مما هو ممكن على المستوى الفردي والجمعي؛ والواقع الذي سيكون هو قادراً على تشخيصه بصورة منطقية يجعله يتأسى على العجز عن الوصول إلى مرحلة متقدمة في تحقيق ذلك الطموح. وقد عرفت شخصياً أوضاعاً أوصلت هذه التناقضات أصحابها إلى نشوء حالة شيزوفرينيا حقيقية؛ إذ ليس بالضرورة أن تنشأ تلك الحالات المرضية عن أوهام، وتناقضات تلك الأوهام مع الواقع. الأكثر إيلاماً ودفعاً بالإنسان إلى خلق حالات التوهم البديلة، لتخفف عنه أوجاعه، هي تلك التي يجد المرء نفسه فيها مضطراً إلى مواجهة الجدران؛ إذ لا طرق فعلية توصل إلى منافذ وآفاق. أحدهم يقول إنه اشتغل باجتهاد في وظيفة لها تميز إلى حد بعيد، لكنها ضمن جهاز بيروقراطي عتيد، وأخلص في عمله. لكنه اكتشف في وقت متأخر أن زملاءه الآخرين ترقوا، وحصلوا على علاوات وميزات متعددة، وهو لم يحصل على شيء. وعرف أن السبب أنهم ينقلون إلى أماكن فيها ترقيات، وإجازات، خلافاً له، والسبب أيضاً يعود إلى حاجة العمل إليه. ضاق ذرعاً بذلك الوضع، وعندما راجع مسؤولين أكبر من رؤسائه المباشرين، قالوا له: النظام كذا! لا بد من موافقة رئيسك المباشر على ترقيتك أو نقلك أو إجازاتك. صرخ: وإذا كان ذلك الرئيس لا يريد ذلك، ليس لأني فاشل أو مهمل أو قليل الإنتاج، فيُحكم علي بأن أبقى مجمداً، لكي يترقى الآخرون على أكتافي، وينجز رؤسائي أعمالهم على حسابي؟ فقال له محاوره: للأسف نعم، والنظام لا يتيح غير ذلكفقام ذلك الرجل المخلص من فوره إلى مكتبه، وقال: إذاً شعاري بدءاً من اليوم هو: تأجيل العمل، وتطفيش المراجع، وخداع الرئيس أو النفاق له بكلمات معسولة دون إنتاج! سارت أموره في العمل على ما يرام، بالرغم من أنه لم يكن مطمئناً إلى روتينه الجديد في العمل، وغير متصالح مع نفسه فيما يؤديه خلال ساعات عمله، ولا في طريقة تعامله مع المراجعين، أو مع رؤسائه وزملائه. أما الوضع الأسوأ فقد حلّ في منزله، حيث أصبح مضطراً إلى تطبيق تلك الاستراتيجية أيضاً مع أسرته. ففقد أفراد الأسرة الثقة فيما بينهم، وأصبحوا يجاملون بعضهم بعضاً، لكن دون محبة وتفانٍ، كما كان الأمر من قبل. وبعد أن بلغ به التوتر الداخلي مبلغه، ترك عمله، وانتقل بأسرته إلى مكان لم يتوقف فيه الزمن؛ فلم يعد مضطراً إلى مراعاة زمنين، والعيش بوتيرتين، ومقابلة الناس بوجهين .. فأصبح حكيماً غير خارق.