دايت سفن أب يا رفيق!
هل الحيوانات والنباتات التي تعيش في بيئة ما تصبغ حياة الناس بطابع مميز يختلف عن الطابع الذي تكون عليه البيئات الأخرى، التي لا توجد فيها تلك الحيوانات أو النباتات الخاصة بتلك البيئة؟ أو أوسع من ذلك: هل للبيئة والمناخ والجغرافيا دور في تكوين طرق تفكير الأفراد والجماعات؟ بعض الأنثروبولوجيين يزعم ذلك، ويؤيد زعمه بحالات عملية كانت فيها طرق تفكير بعض الجماعات ذات صبغة مميزة لبيئتها، وتتشارك مع جماعات مقاربة لها في الظروف البيئية والأحوال المناخية السائدة. ويتضح الأمر على وجه الخصوص في البيئات البحرية، أو العيش على ضفاف الأنهار أو في غابات وأجواء استوائية، في مقابل البيئات الصحراوية الجافة، أو التي تقل فيها المياه، وتنعدم فيها الأنهار مع ما يتبع ذلك من ضرورة التعايش مع أنواع من النباتات المتنوعة في المناطق الاستوائية أو الغابات، أو رؤية المياه في حالة البيئة البحرية أو ضفاف الأنهار؛ ويقابل ذلك عدم وجود أي منها، أو ندرتها في البيئات الصحراوية. كما يتصل بالتعايش معها أيضاً وجود حيوانات أليفة وجميلة ورشيقة تصعد إلى الأشجار بخفة وسرعة كالسنجاب؛ بينما يتعايش الآخرون مع حيوانات أقل ألفة وجمالاً ورشاقة، حيث يختبئ في جحور تحت الأرض مليئة بالعقارب والحشرات، كالضب وغيره من حيوانات الصحراء.هل يصلح مشروب الدايت ما يزدرده هؤلاء من مأكولات، أقل ما يقال عنها انها ليست متجانسة؟ تمعنت في هذا الخلل في معادلة التفكير وأنا أسمع شاباً بديناً بجانبي في قاعة الطعام بعد أن أسرف في أنواع المأكولات غير المتوازنة يصيح بالنادل: دايت سفن أب يا رفيق.فهل تأثر تفكير تلك الأمم الغنية بموارد الحياة، والتي تكثر فيها السناجب، بنشوء أفكار أليفة وجميلة ورشيقة؛ بينما كانت أفكار أصحاب الصحراء وحشية وناتئة ومعقدة؟ لست متحمساً كثيراً لنظريات الأنثروبولوجيين، ولا للتقسيمات العرقية أو الفروق الجينية بين البشر، وليست عندي إجابة عن هذا السؤال، لكني تذكرت صديقاً كان غاضباً من أوضاع الناس وطرق تفكيرهم؛ فصاح متأوهاً، وقال: غبار .. غبار، وبعدين يطلعون لك هالضبان اللي ما تدري وش يبون؟ نعم، القضية فيها قرائن تتيح لبعض الشاطحين أن يربطوا بين تفكير أهل الصحراء، وطبيعة بعض حيواناتهم، أو شح البيئة لديهم. لكن تلك القرائن تصبح مؤهلات لاتساع رقعة الأحكام المسبقة، وسيادة الشعور بالتشاؤم إذا غاب الحب في التعامل بين الناس، ولم تعد المشاعر الإنسانية طاغية في التعامل بين البشر، وخاصة لدى المجتمع الواحد، وأصبحت الأنانية غالبة على تصرفات الناس، خاصة في حالات الحاجة والخطر، أو الازدحام الذي يجعل الناس يظهرون على حقيقتهم في حسن التعامل مع غيرهم، وإلاعلاء من حس الجماعة، والتفكير في الآخرين، أو عدم وجود أي من تلك الخصال. لكن الأسهل من ذلك هو قياس المنطق في تفكير الناس في بيئتنا الصحراوية من خلال حالات الحياة اليومية، واستعرض بهذا الصدد حالة ربما يعرف القراء الكرام كثيراً من مثيلاتها. ففي حالات الفرح أو تجمعات العائلات أو الأصدقاء أو زملاء الدراسة أو العمل نجد التركيز يكون منصباً على إعداد الأطعمة بكل أصنافها، والبذخ في الإكثار منها أضعاف ما يحتاجه المدعوون أو المجتمعون في ذلك المكان، وكأن ذلك الإعداد يتحسب لمجاعة قادمة لن يكون فيها طعام لأيام أو أسابيع قادمة. ومن يرى درجة الاهتمام بالطعام في المناسبات الاجتماعية، وطرق التبذير في عرض أصنافه، وكذلك تعامل المدعوين مع ذلك البذخ، يدرك مدى تواضع هذا المنطق. فتجد الناس يسرفون في الأكل (أو أخذ الأكل في الصحون بصورة أدق)، فهم في الغالب لا يأكلون أيضاً ما يأخذون في صحونهم من الطعام. ولا يهتمون بالدسم في الأنواع المختلفة - والمتناقضة أحياناً - التي يأخذون منها في أطباقهم. كما يضيفون إلى تلك الأنواع الدسمة أصنافاً أخرى من المقبلات والحلويات، مما تنوء به العصبة أولو القوة. وبعد أن يسرفوا في كل ذلك أو أثنائه، يتذكرون أنهم لم يحسبوا حساب السعرات الحرارية التي التهموها، خاصة إن كانوا من المرضى أو أصحاب الزيادات الكبيرة في الوزن، فيفكرون في عدم التمادي من خلال طلبهم للكولا أو السفن أب الدايت. وهل يصلح العطار - يا أصحابي - ما أفسد الدهر؟ أم هل يصلح مشروب الدايت ما يزدرده هؤلاء من مأكولات، أقل ما يقال عنها انها ليست متجانسة؟ تمعنت في هذا الخلل في معادلة التفكير وأنا أسمع شاباً بديناً بجانبي في قاعة الطعام بعد أن أسرف في أنواع المأكولات غير المتوازنة يصيح بالنادل: دايت سفن أب يا رفيق!