أبطال بلا سلاح
ما أن نسمع بكلمة بطل إلا وتبرز في أذهاننا صورة المحارب الذي يحمل السلاح ويحارب الأعداء البطل الذي يحمل قسمات وجه صلبة . فيها من القساوة ما يشبه قسوة السيف والرمح . وننسى أن بعضهم يحملون أرواحاً نورانية تشبه الشكل المتخيل في الأذهان عن الملائكة نور ساطع وأجنحة ترفرف بحنان تحتوي بها من حولها . هم أبطال بلا سلاح مادي فأسلحتهم في قلوبهم وعقولهم . كثير منهم بسطاء في تعليمهم وبسطاء في حالتهم المادية وكثير منهم من الذين قال عنهم عز وجل ( تحسبهم أغنياء من التعفف ) وبعضهم لديهم علم وفير ولديهم أضعافه من القوة النفسية التي تؤهلهم لصناعة الحياة لغيرهم أكثر مما يقدمون لأنفسهم . أولئك كانت لهم بطولات خاصة لا تنكر في محيطهم القريب والبعيد . تلفتوا حولكم وستجدون كثيراً منهم كانوا ومازالوا أبطالاً لم يحظوا بالنياشين ولا وضعت تماثيلهم في الميادين ولا تصدرت أخبارهم وأعمالهم صفحات الجرائد ولكنهم سيظلون نماذج مختلفة وعلامة فارقة في عيون كل من احتك بهم وعرف قيمة الإنسان فيهم ومنهم . تمر سريعاً في ذاكرتي صور جميلة لشخصيات نسيت نفسها من أجل غيرها . تلك السمراء النحيلة التي تقابل الجميع بابتسامتها التي تلقي بها السكينة والفرح في قلوب من تقابلهم في الوقت الذي كانت فيه تعمل جاهدة بساعات عملها الطويل ثم تذهب لتواصل عملها في بيت تلك وهذه تصب القهوة هنا وتخبز هناك لتعود إلى بيتها وتواصل العمل أيضاً ، لم أسمعها تشتكي يوماً .بطولات يومية يمارسها أصحابها على مقربة منا دون أن نفطن لكثير منها ودون أن يفطنوا هم لعظيم أدوارهم ، بطولات لأولئك الذين يصنعون من الملح الأجاج شراباً سائغاً ، فنستهين بهم ونبالغ في تقدير أصحاب البطولات اللسانية الذين يستعرضون ألسنتهم في حكايات كثيرة تتوارى خجلاً أمام أعمال أولئك الذين لا يلتفت لهموتلك التي عاشت تفاصيل يومها من أجل الآخرين كل حركة وسكنة منها كانت تهبهم إياها دون أن تنتظر كلمة شكر واحدة أعطت لأمها وإخوتها وأبنائها وزوجها وما كانت تعطي لنفسها شيئاً سوى المتعة بحبهم والمتعة بعطائها لهم ، ابتسامتها لا تصل لشفتيها حتى تمر على شفاههم . وآهاتهم لا تصل لحناجرهم قبل أن تمر على قلبها . بطولات يومية يمارسها أصحابها على مقربة منا دون أن نفطن لكثير منها ودون أن يفطنوا هم لعظيم أدوارهم ، بطولات لأولئك الذين يصنعون من الملح الأجاج شراباً سائغاً ، فنستهين بهم ونبالغ في تقدير أصحاب البطولات اللسانية الذين يستعرضون ألسنتهم في حكايات كثيرة تتوارى خجلاً أمام أعمال أولئك الذين لا يلتفت لهم . هذا إن لم يحقرهم بعضنا ويستهين بهم !! فلا ميزان للبطولات إلا بالسلاح سيفاً كان أو قنبلة أو لساناً أو بطلبات الترشح للجوائز !! أما سلاح الإيمان بالله ثم الحياة والأمانة فلا يلفت النظر إلا عند قلة منا لأنهم لا يشغلون أنفسهم بعالم الاستعراض الموبوء بالأراجوزات فيعيشون في عمق الهجير ويتركون الظل ومع هذا يبرز أصحاب الظل ويُغيب أصحاب الهجير !! ولكن حكاياتهم ستظل خالدة في القلوب طرية على ألسن تلهج لهم بالدعاء وبارزة مع كل ابتسامة تولدها ذكراهم . انظر حولك فقد يكون خادمك في البيت منهم وقد يكون السائق وقد يكون بائع الخضار وليس ذلك اللامع المنشى الثياب الذي خرج قبل قليل ليحدثك عن بطولاته على شاشة التلفزيون وهو منتش بغرور مريض وأنت تصفق له !!