حسن السبع

التسديد خارج المرمى

ألف عام من الانتظار!لست بحاجة إلى التأكيد على أن الشاعر الراحل محمد الثبيتي قامة شعرية سامقة، وأن تجربته قد أضافت إلى المشهد الشعري المحلي والعربي نصوصا ذات قيمة إبداعية عالية. هذا أمر لا غبار عليه. لكن، بعد رحيل شاعرنا الجميل جاء مانشيت إحدى الصفحات الأدبية في صحفنا المحلية على النحو التالي: «مثقفون: سينتظر أبناؤنا ألف عام حتى يخرج من رمال الجزيرة شاعر في قامة سيد البيد»! لا أعرف من الذي صاغ ذلك العنوان، لكني أعرف أن الذي أدلى بتلك العبارة مثقف واحد ممن استطلعت الجريدة آراءهم.  كل المشاركين في ذلك الاستطلاع أشادوا بتجربة الشاعر وتميزه، لكنهم لم يذهبوا إلى ذلك الحد من المبالغة. وهي ليست مبالغة وحسب، بل وتنبؤ بالغيب، وتقليل من القدرات الإبداعية لعدة أجيال قادمة.  كلنا نحب أبا يوسف، الصديق الشاعر المبدع محمد الثبيتي، لكننا نحب الموضوعية والاتزان، وهي من صفات شاعرنا الراحل أيضا. مع ذلك فإنني قد ألتمس لقائل تلك العبارة العذر، كونها قيلت في لحظة تدفق عاطفي لفقد شخصية غالية، شكَّل رحيلها المبكر خسارة للساحة الثقافية المحلية والعربية، ولنا أيضا كأصدقاء.كان الأولى بـ «حضرة صاحب الحداثة» أن يشارك بقصصه ليعين الآخرين على التمييز بين الحداثة والتقليد، وبين الإبداع والإتباع. ألم نقل، دائما، أن الحداثة سلوك ومنهج حياة قبل أن تكون قصة أو قصيدة أو بنطلون جينز!أدونيس وتوكّل كرمان:كانت جائزة نوبل أكثر الجوائز عرضة للغمز والهمز واللمز، كلٌّ ينتقدها أو يشتمها، وكل يتلهف للحصول عليها، باعتبارها «أم الجوائز». وقلة هم الذين رفضوها؛ تعدَّدت الأسبابُ والرفضُ واحد! وعندما فازت الناشطة اليمنية توكّل كرمان بجائزة نوبل للسلام بمشاركة سيدتين ليبيريتين، تقديرا لنشاطها السلمي، عقد بعضهم مقارنة بينها وبين أدونيس الذي لم يفز بالجائزة. فقالوا: إن توكّل كرمان مرتبطة بأرضها وناسها، وبقضايا مجتمعها،  أما أدونيس فليس كذلك حسب رأي خصومه. وهي مقارنة غريبة عجيبة نظرا لاختلاف المسارين، فتوكّل كرمان ناشطة غارقة في قضايا وهموم مجتمعها الصغير، وأدونيس شاعر ومفكر مشغول بقضايا أدبية وفكرية مختلفة كل الاختلاف، وكان من المتوقع أن تعقد هذه المقارنة بين أدونيس الشاعر ونظيره السويدي توماس ترانسترومر الذي فاز بجائزة نوبل للآداب. والذين شمتوا بأدونيس لم يلتفتوا أبدا إلى إنجازه الأدبي أو الفكري، وأشك أن يكونوا قد اطلعوا عليه. أما لا معقولية هذه المقارنة فتذكرنا بمطب وقع فيه أحد النقاد عندما قال: إنه لا يسعى للحصول على جائزة نوبل.. مع أن جائزة نوبل للآداب لا تمنح للأعمال النقدية!  حداثة وتقليد..حدثني أحد الأصدقاء قال: وجَّهْنا دعوة إلى أحدهم (ربما إحداهن) للمشاركة مع مجموعة من الأسماء في أمسية قصصية، فاعتذر بحجة أنه غير مهيأ نفسيا للمشاركة في تلك الأمسية، نظرا لما يمر به العالم الإسلامي من مآس في بورما وأفغانستان وسوريا. لكنه عندما خلا إلى أصحابه، وسئل عن أسباب امتناعه عن المشاركة قال: «كيف أشارك في أمسية تضم مجموعة من التقليديين»! ومن يتأمل هذه الحكاية يكتشف بعض السقطات ومنها: المراوغة، واستثمار مآسي الآخرين خدمة لأغراض خاصة. وهو تصرف بعيد عن الصدق،  ولا يمكن اعتباره اعتذارا لبقا أو مهذبا. وإذا كان هدف الثقافة تنويريا، فكان الأولى بـ «حضرة صاحب الحداثة» أن يشارك بقصصه ليعين الآخرين على التمييز بين الحداثة والتقليد، وبين الإبداع والإتباع. ألم نقل، دائما، أن الحداثة سلوك ومنهج حياة قبل أن تكون قصة أو قصيدة أو بنطلون جينز!