حقرا بقرا .. عدّ إلى العشرا
أتفهم ثورة بعض العقلاء على ما قام به بعض المنتمين إلى سوق الوعظ الديني في بلاد تقوم على البركة، ويقطع كل مقتطع هبرته، أو يسوّق بضاعته فيها باسم الدين. لكني أختلف مع من أخذته الشرهة على مجتمع الوعاظ الذين تسابقوا إلى الدخول في معترك بيع الأصوات لدى شركات اتصالات، همها الأساس تحقيق الربح المادي بغض النظر عن وسيلته وآثاره. فالأستاذ محمد الأحيدب في مقالته بجريدة عكاظ كان يستغرب أن يلجأ الوعاظ بالذات إلى الدخول في هذه البرامج المسماة "ببلي"، وهم الذين تميزوا بنعمة القدرة على حفظ القرآن وفهم تفسيره، وسرعة استحضار معانيه ودلالاته، ووفقهم لدراسة العلم الشرعي، وتعلمه على علماء كبار ... ورزقهم حب الناس لهم في الله؛ فيتاجرون بكل ذلك. فأقول بأن الأستاذ محمد الأحيدب قد وصفهم بما يوصف به العلماء الأجلاء، وهم ليسوا كذلك، وأسهب في ذكر فضائلهم التي أشك أن يعرفوا معشارها، فضلاً عن أن يتصفوا بالجزء اليسير من ذلك الذي يعرفونه. هم طلاب شهرة ومال وجاه، وجدوا ضالتهم في مجتمع ضحكت عليه الحركات الدينية من كل صوب، فأصبح مشرعاً أبوابه واهتماماته نحو مشكلات أمم أخرى وتنمية بلدان بعيدة، فغفر الله لك أستاذ محمد أن اتهمتهم بأنهم أصحاب عقل وعلم، وأن الناس تحبهم لذواتهم، وغير ذلك من السمات التي أصبح الواعون من أبناء هذا المجتمع يعرفون خباياها بعد انكشاف ستر تلك التنظيمات، التي كانت تغض الطرف عن أفعال المسيئين، بل وجرائمهم في حق المجتمعات والشباب، بما يشبه ما تفعله الكنيسة الكاثوليكية مع قساوستها المخطئين في حق الإنسانية والمتحرشين بالنساء والأطفال.أود أن أشير إلى ناحية منهجية في الفكر الإسلامي القديم والوسيط، وربما الحديث المحترم، من أن الشخصيات الدينية – على العموم – تعودت على سمت، حتى لو كان مصطنعاً؛ لكنه لا يصل إلى حد الابتذال. أما ما نشاهده اليوم في الساحة الفكرية الدينية، فهو مختلف كلياً، من جهة الاعتداد بالمظهر، ومسايرة نجوم الإعلام وأصحاب الشهرة في كل شيء تقريباً، ومن جهة السعي إلى المال ومزاحمة الناس على التسول عند أبواب أرباب المال والجاه. كما أصبحوا يباهون بمكانتهم وقدرتهم على الإضرار بالناس، وهو منطق مغاير تماماً لأهداف أي دينأما الأستاذة بدرية البشر في مقالها بجريدة الحياة، فقد كانت أكثر معرفة بهم، وأقل اندهاشاً مما عملوه في هذه الفضيحة المدوية. وذكرت بالتفصيل العروض التي قدمت إلى مشاهيرهم، لأنها قد تلقت عرضاً مشابهاً من حيث الهيكل، لكنه مختلف في التفاصيل، لأنها ليست واعظة، فلم يولوها العناية التي أولوها أصحاب الأتباع المضحوك عليهم. كما استعرضت التصريح الذي بدر عن أحد الوعاظ في لقاء تلفزيوني، بأنهم "قد خربتهم قطر" من خلال الميزات الأسطورية التي كانوا يمنحونها من أجل إلقاء محاضرة، أو إحياء جلسة رمضانية. وأنصح بقراءة المقالة لمن أراد الاستزادة من تفصيلات سلوك الوعاظ المضحكة. لكني هنا أود أن أشير إلى ناحية منهجية في الفكر الإسلامي القديم والوسيط، وربما الحديث المحترم، من أن الشخصيات الدينية – على العموم – تعودت على سمت، حتى لو كان مصطنعاً؛ لكنه لا يصل إلى حد الابتذال. أما ما نشاهده اليوم في الساحة الفكرية الدينية، فهو مختلف كلياً، من جهة الاعتداد بالمظهر، ومسايرة نجوم الإعلام وأصحاب الشهرة في كل شيء تقريباً، ومن جهة السعي إلى المال ومزاحمة الناس على التسول عند أبواب أرباب المال والجاه. كما أصبحوا يباهون بمكانتهم وقدرتهم على الإضرار بالناس، وهو منطق مغاير تماماً لأهداف أي دين. فقد سمعت مباشرة الشيخ محمد النجيمي موجهاً كلامه إلى الدكتور محمد آل زلفة في محفل عام، قائلاً: والله لولانا (أظنه يقصد رموز المشايخ المرتبطين بأصحاب التطرف) لذبحوكم كما تذبح الخراف! في إشادة مبطنة بالإرهابيين الذين يقتلون الناس خارج الأطر الرسمية. لنترك كل هذه التحليلات، ونتأمل عملياً كيفية اشتغال مجتمع "ببلي" العجيب هذا! فنفترض أن قائمة تحتوي عشرة وعاظ من النوع الرشيق، وبجانبهم في الأيقونة المجاورة عشرة ممثلين وممثلات من النوع المحبوب الناعم المثير، وإلى الطرف الآخر أيقونة تحتوي عشرة مطربين ومطربات من النوع المتثني المتغنج لمن أراد أن "يوسع صدره". فكيف سيطلب الزبون الرقم المرغوب؟ هل سيدخل في المنيو مواصفات للصوت الذي يريد سماعه، إن لم يرغب في أحد محدد؟ كأن يقول: أريد واعظاً ببحة وصوت جميل هادئ يشبه صوت رابح صقر، أم لا بد أن تدخل اسم الرقم المطلوب بذاته؟ هل سيوقظونه من النوم، ويأمرونه: كلم فلانة تكفى! فهي محتاجتك! أسئلة فنية بحتة! غير أني أقترح أن يعيدوا اللعبة القديمة، التي كان المشترك فيها يغمض عينيه، ويقول: حقرا بقرا .. عدّ إلى العشرا، لكن عيب هذه الطريقة أنه قد يخرج لك فنان بدل الواعظ، أو لاعب بدل الممثل .. أرزاق يا بلدي أرزاق!!