د.إحسان بوحليقة

900 ريال «أم عبدالله»

أستمع لبرنامج يتناول برامج التقاعد والتأمينات في إحدى الإذاعات المحلية. كانت المذيعة قد أجهدت نفسها في التحضير للحلقة بأن قرأت النظام وتلقت الأسئلة، فأخذت ترمي الأسئلة والخبير يجيب.. لكن روحاً ما كانت مفقودةً. أدرك مرتكزات أنظمة التأمينات الاجتماعية والتقاعد المدني والعسكري؛ وهي مرتكزات تكافلية أي أن الموظف المشترك في برنامج التقاعد لا يدخر مالاً عبر ما يدفعه من اشتراكات شهرية بل يساهم في برنامج تكافلي يجني ثماره عقب تقاعده. وعادة تُبنى هذه الأنظمة من حيث قيمة الاشتراكات ومبالغ المعاشات والمزايا التقاعدية وفقاً لحسابات «اكتوارية» هي الفاصل بين إفلاس الصناديق وبين تمكنها من مواصلة نشاطها. ومما لا جدل فيه أن لابد للصناديق أن توازن بين مواردها ومصارفها، ولذلك فهي تسعى لتنمية المال باستثماره استثماراً نتمنى جميعاً أن يكون حصيفاً ينفع في القادم من الأيام، وتسعى جاهدة كذلك ألا تدخل في مغامرات كالمضاربة في العملات أو الأصول الأجنبية غير المأمونة، وأتمنى أن تحجم عن الاستثمارات خارجترك المتقاعدين وورثتهم ليعانوا من الفقر والعوز لا يمكن أن يعدّ تكافلاً.. وليس تكافلاً أن تستلم الخالة أم عبدالله راتباً تقاعدياً قدره 900 ريال تحت أي اعتبار، فهذا المبلغ الضئيل لا نقدمه حتى لطلبتنا الجامعيين ولا لعاطلي «حافز»الحدود احجاماً تاماً إذ لا يرقى أي مبرر ليتصدى للمخاطر التي عانت منها صناديقنا في مناسبات عدة، ولن أدخل هنا في نقاشات محاسبية بأن الخسائر (أو المكاسب) محققة أو غير محققة، وأكتفي بالقول إن اقتصادنا النامي أحق بأن تستثمر فيه فوائض الاشتراكات. وبعد أن ذكرت كلمة «اكتوارية» فبوسعي أن أذكر أن الدولة -رعاها الله- هي الضامن لهذه الصناديق أي هي التي ستغرم في حال قصور ما لدى الصناديق عن الوفاء بالتزاماتها. وهكذا، فليس بوسع هذه الصناديق التصرف وكأنها مستقلة تماماً بل هي جزء من منظومة الشبكة الاجتماعية التي ترعاها الحكومة، ولذا فالقضية قد تبدأ بالحسابات الاكتوارية لكنها لا تنتهي عندها، وليس أدل على ذلك من أن الصناديق لم تملك إلا أن تنفذ الزيادة نظير بدل ارتفاع الأسعار التي قررتها الحكومة الموقرة. وفي ذات السياق،  فعلى هذه الصناديق أن تدبر أمرها لتلتزم بحد أدنى للمعاش بحيث لا يقل عن استحقاق الضمان الاجتماعي على أقل تقدير! أما قبول أن «يتفتت» المعاش على الورثة لدرجة أن يحصل بعضهم على ريالات قليلة فهذا أمر لا يمكن أن يكون محل رضا، بمعنى أن على الصناديق أن تجد مخرجاً لها من هذا الاشكال كأن تربط وتنسق مع الضمان الاجتماعي؛ فالراتب التقاعدي المتدني يحجب عن مواطنين معاش الضمان الاجتماعي الذي قد يفوقه! أما النقطة الثانية، فهي لابد أن تعدل المعاشات التقاعدية القديمة لتتسق مع أي تعديلات لاحقة في السلم أو الأجر النظير بمعنى أنه لو عدل السلم الحكومي صعوداً فلابد أن يعدل القديم من المعاشات التي بنيت على الراتب الذي تقاعد عليه الموظف.. والسبب لكل هذا حتى يتحقق الهدف الأساس من أنظمة التقاعد وهو التكافل، فترك المتقاعدين وورثتهم ليعانوا من الفقر والعوز لا يمكن أن يعدّ تكافلاً.. وليس تكافلاً أن تستلم الخالة أم عبدالله راتباً تقاعدياً قدره 900 ريال تحت أي اعتبار، فهذا المبلغ الضئيل لا نقدمه حتى لطلبتنا الجامعيين ولا لعاطلي «حافز»، فلا يجدر بنا أن نقدمه معاشاً شهرياً لكبرائنا..والحكومة لن تقصر.