سادَة .. أمْ سُكَّر زيادة ؟
ديمقراطية سكّر زيادة.. للمراهقة وجوه كثيرة. وفي السنوات الثلاث الأخيرة، صرنا نسمع بـ «مراهقة ديمقراطية»، تمر بها بعض مجتمعات الشرق الأوسط، باعتبارها مجتمعاتٍ ما زالت تتلمس طريقها نحو النضج. وهو تعبير تدعمه الوقائع. فكل الصفات التي تطبع سن المراهقة يمكن تلمسها في تلك التجارب التي لم تنبع في الأساس من ثقافة محلية، أو تتشكل نتيجة تراكم معرفي ووعي اجتماعي. وإذا كانت مرحلة المراهقة العمرية حافلة بالتقلبات والأخطاء، فالأخطاء في تلك التجارب ترتكبها السلطة والمعارضة معا، فكأنهما وجهان لعملة واحدة. وإذا كانت فترة المراهقة انفعالية، فالانفعال وسرعة الاشتعال سيدا الموقف، أما إلغاء الآخر فهو جزء من الموروث التاريخي.أصبح الرأي الموضوعي عملة نادرة، وتكمن المشكلة، دائما، في المبالغة وزيادة السُّكّر، أو زيادة كمية الملح التي تفسد الطبخة. أي المبالغة في الحب، أو الكراهية إلى حد العمى. فلا نستطيع رؤية أي جانب معتم في شخصية من نحب، أو أي جانب مضيء في شخصية من نختلف معه. فليس كل ما يفعله خصمنا خطأ، وما يفعله حليفنا صحيحا. أما عبارة «كل ما يفعل المليح مليح». فليست قاعدة ثابتةقبل ذلك سمعنا بـ «ديمقراطية سُكَّر زيادة». وهو تعبير ظريف أطلقه الرئيس الفلسطيني الراحل، وفيه انتقاد للتجاوزات التي ترتكب باسم الديمقراطية. فليس أقدر على تعطيل القوانين ومشاريع التنمية، وتكريس الخلاف من «ديمقراطية سُكَّر زيادة».. في الوقت الذي يمارس فيه العالم الأول «ديمقراطية سادة»! كل ما يفعل المليح مليح ! أصبح الرأي الموضوعي عملة نادرة، وتكمن المشكلة، دائما، في المبالغة وزيادة السُّكّر، أو زيادة كمية الملح التي تفسد الطبخة. أي المبالغة في الحب، أو الكراهية إلى حد العمى. فلا نستطيع رؤية أي جانب معتم في شخصية من نحب، أو أي جانب مضيء في شخصية من نختلف معه. فليس كل ما يفعله خصمنا خطأ، وما يفعله حليفنا صحيحا. أما عبارة «كل ما يفعل المليح مليح». فليست قاعدة ثابتة. ولو نسينا بعض ما تعلمناه لاختفت أمثلة وعبارات كثيرة من حياتنا. في أيام الحرب الباردة بين المعسكرين تم تسييس كل شيء، بما في ذلك الأدب. وبعدسات النقد المؤدلج، اعتبرت بعض الروائع الأدبية والفنية العالمية،آنذاك، من إفرازات «البرجوازية العفنة». وهو رأي «نقدي» مثير للضحك في أيامنا هذه. تصل هذه المواقف حد التطرف عندما نرفض الإصغاء إلى ما يقوله الآخر، فيصل الأمر إلى حد القطيعة. وهو موقف لا يقتصر على مقاطعة الأفكار، بل يتجاوز ذلك إلى مقاطعة الفواكه والخضار. وتلك صورة من صور التعصب الذي يعيق صاحبه عن طلب المعرفة من روافد أخرى متعددة. الهرش والحساسية لاستتباب السلامماذا يفعل صنَّاع العنف إذا توقف القتل؟ يستمد مهندس العنف أهميته من هذا الدور، فإذا تحقق السلام، أصبح شبحا. وقد كان الشارع من قبل ملكا له ولبندقيته. يخشى مهندس الخرائب أن يسود السلام فيفقد أهميته وامتيازاته. هنا يقف الأدب والفن نقيضا لتوجهات صنّاع الموت. وقد أشرت في كتابة قديمة إلى قصة ساخرة للكاتب الهندي فيكوم محمد بشير عنوانها (لِتَنْتَه جميع الحروب). كان المحرر الشاب يستطلع آراء النخب المثقفة، وكان كل فريق منهم يدعي أنه يعرف الطريق المؤدية إلى السلام. جاء المحرر ليستطلع رأي أحد المفكرين الحكماء في هذا الأمر، فطرده المفكر متهما إياه بالغباء، لكن المحرر أصر على أن لا يخرج صفر اليدين، فلابد من إجابة عن سؤاله. عندئذ هرش المفكر رأسه وكتب تصريحا ساخرا جاء فيه: «لإنهاء جميع الحروب، على جميع القادة السياسيين في عالم اليوم والمفكرين والمنظرين والجنود المقاتلين، كل رجل وامرأة أن يُبتلوا بالهرش والحرقة وبالحساسية التي أعاني منها الآن»! نعم، لن تنتهي الحروب إلا إذا انشغل العالم بشيء ما. كالهرش مثلا!