إثيوبيا .. أرض الأحلام!
الأدب الصادق هو ما يعكس وضع المجتمع في وقت كتابته، ويدوّن ما لا يدوّنه التاريخ. فكُتاب الأحداث التاريخية يهتمون بمعطيات القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية، دون أن تهمّهم أحوال المجتمع، التي أولاها بعض العناية علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا، وبالطبع الأدباء والكُتاب الملتصقون بأوضاع بيئتهم الاجتماعية. وقد كان الجاحظ وأبو الفرج الاصبهاني خير من قام بهذا الدور في تراثنا القديم، كما قام بعض الروائيين المتميّزين في العصر الحديث، ومنهم الروائي المصري نجيب محفوظ، والمغربي محمد شكري، والسعودي عبدالرحمن منيف، والسوداني الطيب صالح، بتلك المهمة خير قيام. وهي في الواقع من خصائص الإنتاج الأدبي الناجح. ومَن قرأ كتاب المبدع السعودي الأديب محمد حسن عواد "خواطر مصرحة"، يجد أنه لا يبتعد عن هذا المنحى. ففي فقرات من نقده الاجتماعي يشير الكاتب إلى فئة من أهل الحجاز كانت تسافر في العشرينيات الميلادية من القرن الماضي (قبل دخول الحجاز تحت الحكم السعودي) إلى إثيوبيا (أو الحبشة كما تسمّيها الغالبية آنذاك)، خاصة إلى مدينة أسمرة الساحلية (طبعًا هي الآن ضمن إريتريا بعد استقلالها عن إثيوبيا)، لأن أغلب رحلاتهم ـ إن لم يكن كلها ـ كانت بالمراكبهل يُصدق شباب جدة حاليًا، أن الإثيوبيين الذين ينظرون إليهم على أنهم أتوا من بلد متخلف وفقير كانوا مضرب مثلٍ لأسلافهم، حينما كانت أوضاع النظافة في جدة مزرية، والسلوك الحضاري معدومًا، بالرغم من كون جدة آنذاك أيضًا ملتقى الأعراق التي تقدِم إلى مكة من شتى بلدان المسلمين؟ في رحلاتٍ بحريةٍ من جدة. فكان بعض الاستعراضيين من تلك الفئة التي ترى في إثيوبيا من وسائل الحياة ما لم تكن تراه في جدة، أو الحجاز بشكل عام، يتحدثون بسخرية عن أوضاعهم المزرية، وبإعجاب عن الوضع المدهش للمدن الساحلية الإثيوبية. وكانت العبارات التي تتردد: "والله في شوارع أسمرة ما تجد كذا وكذا..." من الظواهر السلبية التي كانوا يرونها في مدينتهم. بالطبع تلك الأساليب كانت تنطلق من خلفيات استعراضية، وحب للفشخرة؛ مثلما أن كثيرًا من مدمني السياحة الأوروبية صيفًا لدينا في الوقت الحاضر يتفشخرون بأنهم اشتروا تلك الملابس من أكسفورد ستريت وأكلوا في إجوار رود، وتجوّلوا في الشانزلزيه، وجلسوا على بحيرة جنيف.. إلخ من مكمّلات الشعور بعقدة النقص. فالقاهرة وبيروت كانتا آنذاك مما لا يستطيع أن يحلم بها إلا كبار القوم، ولهذا بقيت العامة تحلم بتلك الموانئ والمدن القريبة من بحر جدة. بل إن من سافروا إليهما (بيروت والقاهرة) حتى بعد فترة محمد حسن عواد كانوا قد رووا حكايات أسطورية؛ تستحق أن تُروى. فأحد أساتذتنا يقول إنهم كانوا في الستينيات يرشون الكابينة الداخلية للطائرة بالفليت، وآخر يقول إننا كنا نوضع في مكان حجر صحي في بيروت، قبل أن يسمح لنا بالانتقال إلى القاهرة. أما الحكايات الطريفة في الصدمة الحضارية، فهي تلك التي كان يرويها لنا أحد أساتذتنا الظرفاء من أنهم عند وصولهم إلى بيروت كان يبحث عن الحمام، وعندما أشار إليه المسؤول عن الرحلة إلى مكانه، لم يهتد إلى طريقة استعماله، لأنه لا يشبه الأوضاع التي كان يستخدمها في مكة، فحدثت له معها حكايات تضحك من كان على قبر أبيه، كما يقولون. أما الأكثر طرافة، فهي قصص أحد الأنثروبولوجيين المشهورين في بلادنا، والذي لا أعلم إن كان يضيف إليها شيئًا من البهارات، التي تتطلبها مهنته؛ لكنه كان يحكي بعض ما يقترب من قصص صاحبنا في لبنان، لكن هذه المرة في أمريكا، وفي حقبة الستينيات، عند استخدامه الحمام الإفرنجي، وطريقة جلوسه عليه. وأظن الزيادات تكمن في تساقط القطع المعدنية من جيب البنطلون، لأن جلسته تماثل الجلسة على الحمام العربي، ثم امتداد يد الزنجي المجاور له في الحمام الآخر، ليأخذ تلك القطع، عندما لم ير أرجل مستخدم الحمام المجاور، فظنه خاليًا. وكلها مشاهد تعكس خلفيات ثقافية مختلفة جذريًا. فهل يُصدق شباب جدة حاليًا، أن الإثيوبيين الذين ينظرون إليهم على أنهم أتوا من بلد متخلف وفقير كانوا مضرب مثلٍ لأسلافهم، حينما كانت أوضاع النظافة في جدة مزرية، والسلوك الحضاري معدومًا، بالرغم من كون جدة آنذاك أيضًا ملتقى الأعراق التي تقدِم إلى مكة من شتى بلدان المسلمين؟ فالدنيا دول، والتغيّرات الجذرية ممكنة في كل مكان، وقابلة لأن تحل بأي شعب من الشعوب في تاريخ البشر. ما آمله ألا يأتي يوم، فيكتب آسيوي، أو عربي كان يحلم بأن ينتقل إلى السعودية من أجل العمل: هل رأيتم كيف كانت تلك البلاد أرضًا لأحلامنا في العمل؟