هناء مكي

الربا بين الحلال والحرام

في أحد النقاشات التي حضرتها يوماً بين مؤيد للبنوك الإسلامية وغير مكترث بأسلمة العصر بالاسم فقط، جاء ثالث لينسف كل الحديث بأسئلة قيّمة، حين راح يسخر من النقاش متهكماً بتغليف التعاملات بالغلاف الإسلامي وتجردها من ذلك في الواقع، فقال: أليس ما يجري في البورصة نوع آخر من القمار؟ أليست المرابحات في المصارف الإسلامية هي ربا ملون بلون نحبه؟ أليست القروض في البنوك التقليدية هي سبب مباشر في مشاكل الناس بسبب علو الفوائد وبقائهم مديونين طيلة العمر؟ أين الشريعة من كل ما يحدث؟ بل أين المشرعون الآمرون بالمعروف؟اليوم في جميع أسواقنا نكاد نلحظ معاملات الربا «السفاح» في أصغر «دكان»، وإذ يعرف الربا بأنه «كل زيادة مشروطة مقدماً على رأس المال مقابل الأجل وحده» فلكم أن تتعرفوا عليه، فإذا كان المشتري مجبرا فليس للتاجر أن يستغل تلك الحاجة فما ضره إن باع سلعته بيعاً عادياً أو تساهل في الأقساط مكتفيا برأس المال ! وبالعودة للبنوك الإسلامية فلها سلبياتها الفجة، فمن المعروف أنها لا تقدم القروض المباشرة معتمدة على «بيع المرابحة» كحل شرعي للتعاملات بنسبة90 بالمائة من إجمالي أنشطتها في ظل عدم توافر «منتج القروض» المحرم إسلاميا، إذ جاءت المصارف الإسلامية بالأساس لمحاربته لتحل بديلاً شرعياً للمعاملات الربوية.يذهب الباحث الإسلامي الراحل محمد الأشقر إلى تحريم «بيع المرابحة» الذي تقوم على أساسه معاملات المصارف الإسلامية والذي يتم بطريقتين - حسبه - الأولى : تأتي في ظل اتفاق بين المشتري والبائع (البنك) تنص على شراء البضاعة بربح متفق عليه بعد أن يقوم البنك بشرائها له وهو أمر باطل في رأيه، لأنه باع ما لا يملكه، والثانية : لأنه باع منتجا معلقا لم يحصل عليه أصلاً، واعتبر ذلك حيلة مغلفة توازي الإقراض بالفائدة، ويقول:  « إن العمل على أساس الإلزام بالوعد السابق، يربط الواعد ويوثقه، ويعدمه الرضا حال عقد الشراء اللاحق من البنك، فيكون العقد صورياً، ويخرج عن كونه (تجارة عن تراض منكم) إلى كونه قرضاً بفائدة».يتحدث بعض الخبراء عن حقيقة تحول بعض البنوك التقليدية إلى بنوك إسلامية بين ليلة وضحاها، وظاهرة الاندماج الغريبة بين بنوك تقليدية ربوية وأخرى إسلامية، فيقول : «المتتبع للبنوك الإسلامية يمكنه الانتباه لحجم المنتجات ذات الصبغة الإسلامية التي تتزايد كل يوم، لكن في جوهر العمل هناك بعض الخداع فهي مقاربة جدا للمنتج التقليدي، ويختلف التوثيق الشرعي» فأكثر الفتاوى في التعاملات البنكية.لسنا بصدد التقليل من شأن عمل المصارف الإسلامية فهي حاجة يجب أن تُجوّز في عالمنا الزاحف إلى الغرب، لكننا ملزمون بالوقوف على بعض الشبهات ليس لأننا نحتاج إلى ردود، بل نحتاج إلى ضمائر حقيقية توجب التشريعات الإسلامية فعلياً وليس بالاسم فقط.