هي أشياء لا تُشـترَى!
قال الراوي: الدنيا حكايات، وقد جمعتني المناسبة في مهرجان شعري بأحد الشعراء المدعوّين. وعندما ضمّنا بهو الفندق، تصورتُ حينها، وكان الجو حافلًا بالطرائف والمِلَح، أن صاحبنا كلمة بين قوسين، أو جملة معترضة بين ذلك الجمع من الظرفاء. وتصوّرتُ، كذلك، أن خلعَ ضرس سليم من دون تخدير أهون عليه من أن يجود بابتسامة. نعم، كان «يحاذر الضحكَ وأسبابَه.. خشيةَ أن يفقدَ أسنانَه»! أشفقتُ عليه، وتمنيتُ لو كان بمقدوري أن أمدّ له يد العون، فقد تُحلّ عقدته، ويستمتع بذلك (الجو) الزاخر بالدعابة والضحك، غير أني فشلت فشلًا ذريعًا مريعًا.تذكّرت، عندئذ، (ركلة ترجيح) تقول: «لو تُشترى خفّةُ الظلِّ اشتريتُ له/ عشرين (لتراً) فأمسى ضاحكاً مَرِحا/ تنسابُ من (دمِهِ الشربات) دردشةٌ/ تحبها إن أراد الجدَّ أو مَزَحَا/ و (لوّ) حرفُ امتناعٍ ما بنى أملاً/ أو حوَّلَ الشّيصَ من أخلاقهِ بلحا». يومها صدقت ما يراه بعض المتخصِّصين من أن للظرف وخفّة الظلّ علاقة بالجينات. قد تكون البيئة والتربية والثقافة المكتسبة داعماً للظرف وخفة الظل، لكن تلك العوامل المكتسبة لا تقدّم ولا تؤخر ما لم يكن هنالك استعداد نفسي، أو طاقة داخلية كامنة يسمّونها «كيمياء الشخصية».. نعم «هي أشياء لا تُشترَى»!وقال الراوي: كلما قابلتُ شخصا محروما من نعمة الظرف وخفّة الظل، تذكَّرتُ الظرفاء المرحين الذين لم تعطل المكابدة، أو ظروفهم المعيشية الصعبة، روح الظرف وحس الدعابة. فكأن الظرف يجري في العروق. كلما قابلتُ شخصا محروما من تلك النعمة، تمنيتُ له الشفاء العاجل، تعاطفا مع المحيطين به!قد تكون البيئة والتربية والثقافة المكتسبة داعماً للظرف وخفة الظل، لكن تلك العوامل المكتسبة لا تقدِّم ولا تؤخِّر ما لم يكن هنالك استعداد نفسي، أو طاقة داخلية كامنة يسمّونها «كيمياء الشخصية».. نعم «هي أشياء لا تُشترَى»!وقال الراوي: كنتُ مدعوًّا، وبعض الأصدقاء، إلى مؤتمر ثقافي آخر. وأجمل ما في تلك الملتقيات أنها وسيلة للتواصل، ورافد جيد للتأمل والكتابة. عندما وصلنا المدينة الحاضنة للمؤتمر، وصرنا في المطار، استقبلنا أحد موظفي العلاقات العامة، وأقلَّنا في سيارة واحدة. كان في معِيَّتنا، أو كنا في معية مدعوٍّ لم «أسعد» بمعرفته من قبل. وعرفت لاحقا أن الدعوة قد وُجِّهت إليه بحكم موقعه الوظيفي. وتلك بعض أفاعيل البيروقراطية. في الطريق إلى الفندق، كانت الأحاديث الثقافية تُوأد على يديه. أو، بتعبير أدق، على شفتيه. فما أن يتحدث أحدهم في الشأن الثقافي، وهو ما دُعينا من أجله، حتى يُبادر صاحبنا فيخرجنا عنوةً من ذلك الجو ليلفت انتباهنا إلى مجمع تجاري أنشئ حديثا، أو إلى مطعم من مطاعم الوجبات السريعة لم يكن موجودا من قبل، أو إلى مخطط أراضٍ كانت أمتاره في الماضي تُباع بالملاليم، ثم أصبحت تباع بالملايين. «انظروا.. هذه الاستراحة لفلان. هل تعرفون كم مساحتها؟». وعندما لا يجد من يجيب عن سؤاله يتبرع بالإجابة عن ذلك السؤال المصيري، وكأنه حلَّ طلسما من طلاسم الوجود. «انظروا إلى ذلك البرج التجاري. إنه من أملاك فلان.!». خُيِّل إليَّ، عندئذ، أننا في طريقنا إلى حضور مؤتمر يُعنى بشؤون المال والأعمال. قلت لنفسي: ترى ما شأن جماعة أصابتهم حرفة الأدب بكل تلك الملاحظات المتعلقة بالأبراج والمجمعات والأراضي والعقارات. كنت على وشك أن أقول له: «واحنا ما لنا يا أستاذ»؟» عندما بدأ يتحدث عن سوق الأسهم، لكني تراجعت. فلم يكن بيننا وبين الوصول إلى الفندق سوى دقائق معدودة.