موسوعة جينس .. والهوس العربي
لا أعرف لماذا تصر بعض البلدان العربية على اللحاق بقائمة الأرقام القياسية في موسوعة «جينس» عن طريق بعض الأعمال التي لا تضيف شيئا للفكر أو الثقافة، أو الجهد الإنساني الهادف لخدمة البشرية، رغم ما يبذل فيها من مال مهدور، وجهد غير مشكور، ووقت ضائع.. وكل ما في الأمر أن الدافع الوحيد من ذلك هو التسجيل في هذه الموسوعة لا غير، وكأن العرب قد حلوا كل مشاكلهم ولم يعد أمامهم غير هذه المهمة التي يجهدون أنفسهم لبلوغها بأعمال ليس لها أي مردود إيجابي عليهم أو على غيرهم، فما هي سوى زبد يذهب جفاءً دون أن ينفع الناس، ويؤثر إيجابا في حياتهم الخاصة أو العامة.أسئلة كثيرة يفترض أن تطرح على مستوى العالم العربي، في زحمة السباق الدائم وغير المبرر للوصول إلى موسوعة «جينس» للأرقام القياسية، بدل السباق لتحقيق المنجز الحضاري الذي يتيح الوصول لهذا الهدف بجدارة. وهذا هو الفرق بين العاملين بصخب لخدمة أنفسهم، والعاملين بصمت لخدمة البشرية، ألم يقل أحد المفكرين الكبار: إن العرب ظاهرة صوتية؟فماذا يعني أن نقدم أكبر طبق للكبسة، أو أكبر حبة فلافل، أو أكبر سلة للخضروات والفواكه، أو أكبر صرة فجل، أو ما شابهها من (الإنجازات) التي لا تدل إلا على الفراغ الفكري والثقافي، والجري وراء هوس اللحاق بالمنتجين الحقيقيين للحضارة، التي نغرق في استهلاكها دون أن نسهم في إنتاجها، فدلالة هذه (المنجزات) لا تعني سوى اهتمامنا ببطوننا أكثر من اهتمامنا بعقولنا، وحرصنا على الاستهلاك أكثر من حرصنا على الإنتاج المجدي والمفيد، وسعينا اللاهث للمظهر دون اهتمامنا بالجوهر، في زمن السباق الدائم للتقدم والازدهار.وبينما يقدم العالم إنجازاته العلمية، ومخترعاته الصناعية، ومبتكراته الإلكترونية والتكنولوجية، التي يحقق في إنتاجها وتوزيعها أرقاما قياسية جديرة بالتسجيل في هذه الموسوعة، بما في ذلك ثروات أصحاب تلك الإنجازات التي خدمت العالم وأسهمت في تقدمه وازدهاره، وأضفت على حياة البشر الكثير من الرفاهية والراحة في العديد من المجالات، مما هو جدير بالتقدير والحصول على الجوائز العالمية، والحفاوة من قبل هذه الموسوعة وغيرها من المؤسسات المشابهة.. وبينما - أيضا - تحرص معظم دول العالم على أن يكون تواجدها في هذه الموسوعة وفق مقاييس الإنتاج وليس الاستهلاك.. نجد العرب يهرولون في هذا الاتجاه على غير هدى، ودون رؤية واعية لما تعنيه ميزة الوصول إلى موسوعة «جينس» للأرقام القياسية، وما تفرضه من التزام نوعي بمضامينها الثقافية المتنوعة.لم نحقق أرقاما قياسية في صناعة معينة يستفيد منها الإنسان، أو في إنتاج زراعي يسهم في تخفيف وطأة المجاعة التي تجتاح الدول الفقيرة، كما لم نحقق أرقاما قياسية في العلوم والآداب والفنون التي تبرز المشاركة الفعلية في حضارة العصر وتقدمه وازدهاره، وهو ما نحتاج إليه أكثر من حاجتنا لغيره، مما لا يجدي ولا يفيد، كما لم نحقق أرقاما قياسية في بيع أحد منتجاتنا الفكرية، أو في نشر إبداعاتنا الأدبية، أو في فنوننا البصرية، أو في الموسيقى أو المسرح، أو أحد أنواع الرياضة؟هل نافست دولنا العربية في مجال الخدمات الطبية أو الزراعية أو التجارية، أو استثمار الأراضي البور وتعمير الصحراء، أو القضاء على البطالة، ومكافحة الأمية والفقر، وتوفير فرص العمل للجميع، وارتفاع مستوى دخل الفرد؟ هل نافست في عدد المعاهد والكليات والجامعات ومراكز البحث العلمي، ذات الاهتمام بالثروة النفطية كدول عربية منتجة للنفط، وعليه يعتمد حاضرها ومستقبل أجيالها القادمة؟أسئلة كثيرة يفترض أن تطرح على مستوى العالم العربي، في زحمة السباق الدائم وغير المبرر للوصول إلى موسوعة «جينس» للأرقام القياسية، بدل السباق لتحقيق المنجز الحضاري الذي يتيح الوصول لهذا الهدف بجدارة. وهذا هو الفرق بين العاملين بصخب لخدمة أنفسهم، والعاملين بصمت لخدمة البشرية، ألم يقل أحد المفكرين الكبار: إن العرب ظاهرة صوتية؟.