التائهون الجدد
حين يزامن المرء حروبا إقليمية وأهلية، ويعيش، طيلة خمسة عقود، أجواء أزمات ومآزق وانتكاسات متلاحقة، ولا يبني قراءته للغد ومواقفه انطلاقا من تلك التجارب، فهو شبيه بمن ضُرِب عشرين (قلما) على غفلة! (القلم بالعامية: الصفعة). يمكن أن يكون غافلا عن الصفعة الأولى. أما حين يتلقى بعدها تسع عشرة صفعة على غفلة، فهو ليس غافلا فحسب، بل وميت الإحساس أيضا، و .. «ما لجرحٍ بميّتٍ إيلامُ»! نعم، من يزامن تلك الحروب والإخفاقات والنكسات، ولا يستوعب دروسها، فإن الأمل ضعيف في شفائه من غفلته. اليوم، ونحن، أبناءَ الجيلِ السابق، نتأمل حماسةَ واندفاع تلك (البيادق) التي تهرول نحو المجهول بعيونٍ مغمضة، ندرك جيدا أن ذلك شكل من أشكال التيه أو الغيبوبة، لكن ألم يمر الجيل السابق بحالةعاش جيلنا، أيضا، شكلا من أشكال التيه. كانت الشعارات جميعها واعدة ومغرية، لكن الشعارات وحدها لا تصنع مستقبلا، وكالعادة، اختطف الحواة والمشعوذون أحلام المرحلة. مع ذلك، كانت تطلعات (التائهين) من الجيل السابق مختلفة. مشابهة. بلى، فقد عاش جيلنا، أيضا، شكلا من أشكال التيه. كانت الشعارات جميعها واعدة ومغرية، لكن الشعارات وحدها لا تصنع مستقبلا، وكالعادة، اختطف الحواة والمشعوذون أحلام المرحلة. مع ذلك، كانت تطلعات (التائهين) من الجيل السابق مختلفة. كانوا يتوقون إلى بناء عالم جديد، يتسع - دون تمييز - لكل ألوان الطيف الاجتماعي، وكانوا مجموعة انتماءات وهويات صغيرة (ضمن الهوية الكبرى). كان يجمعهم قاسم مشترك واحد هو العيش في الحاضر، والتطلع نحو المستقبل. حلموا .. لكن بعيون مفتوحة، وعقليات متجاوزة، وأرواح تحب الحياة، وتعشق الشعر والرواية والتصوير والمسرح والموسيقى والفلسفة، وترى أبعد من تخوم الانتماءات الضيقة. ربما سخر الواقع من بعض تلك الأحلام، وربما تحطم بعض التوجهات والأفكار على صخرة التطبيق العملي، لكن بقيت بعض تلك الأفكار عصرية، وقابلة للتطبيق، وتنتظر ظروفا أفضل لتتحقق. هنا سأعود ثانية إلى رواية أمين معلوف (التائهون) التي أشرت إليها في مقال سابق، لكن في سياق آخر مختلف عن هذا السياق. يلاحظ الراوي على أصدقائه (التائهين) حبهم للسجال الفكري فيقول : «أُطلِق علينا لقب (البيزنطيون) على سبيل الاستخفاف». كانوا يظنون أن بوسعهم تغيير العالم. وعن طموحهم الذي لم يرَ النور، يقول بطل الرواية: «وأنا بدوري، كنت أؤمن بذلك، وفي الحقيقة، يحدث لي أحيانا، حتى اليوم، أن أداعبَ وهْمَ الطفولة ذاك، لكن أين أجد تلك الزمرة؟ عبثا بحثت، ونقَّبت، فلا شيء على هذا الكوكب سوى الخواء»! لزمرة التائهين التي تحدث عنها أمين معلوف هويات صغيرة، تجاوزوها إلى ما هو إنساني ومشترك. جاءت الحرب الأهلية، لتؤكد قول زهير بن أبي سلمى: «متى تبعثونها، تبعثونها ذميمة»، جاءت الحرب فشوَّهت كل شيء. عبثت بالعلاقات الإنسانية، وكرَّست الانتماءات الضيقة، و .. «الموتى فقط هم من شهدوا نهاية الحرب»! مع ذلك يظل تائهو تلك الأيام أكثر قابلية للتجدد، ومراجعة النفس، ونقد الذات، وتجاوز الماضي. وبخلاف زمرة التائهين القدامى التي تحب الجدل والنقاش وإثارة الأسئلة، يتفيأ عابر المتاهة الجديدة ظل اليقين، ويضع رأسه على وسادة من قناعات وإجابات جاهزة غير قابلة للنقض. كما لا يرى عابر المتاهة الجديدة من ألوان الحياة المتعددة الزاهية إلا لونه الخاص، وفوق ذلك، فإن بينه وبين الحياة خصومة. تتجلى في الميل إلى العنف ومنطق القوة، وعدم القدرة على فهم ذلك التنوع الوجودي العظيم. فهل جانب (التائهون) من الجيل السابق الصوابَ عندما أطلقوا على زمانهم مسمَّى (الزمان الجميل)؟!