د. فالح العجمي

ماذا لو .. يا شاطرين !

يزداد عدد القنوات التلفزيونية والإذاعية، وتتعدد معه أنواع البرامج الجادة والترويحية، والأخرى التواصلية التي تمول نفسها غالباً من خلال رسائل الكترونية مدفوعة الثمن مقابل الاشتراك في عمليات التواصل معها. لكن تلك الكثرة قد أفرزت من جهة معرفة كثير من المتابعين بعقليات المشتركين في تلك البرامج ومدى تطورها (إيجاباً أو سلباً)، ومن جهة أخرى كشفت عن سطحية وتبسط لدى أغلب معدي تلك البرامج؛ إذ المهم أن يشترك الناس، ويدفعوا ثمن ذلك الاشتراك، لكن الرسالة الإعلامية، أو احترام عقول الآخرين (غير المشتركين، أو السامعين السلبيين) لم تعد ذات معنى. فقد تحولت برامج المسابقات إلى مهازل، كما أن التنافس للفوز بلقب في أي من تلك البرامج (أو ما يسمونه تنافساً) قد تسطح إلى حد بعيد، وأصبحت الأسئلة إما تافهة، ولا تناسب أحياناً الأعمار الموجهة إليهم تلك المسابقات، أو منقولة من برامج أخرى أجنبية، فتكون الأسئلة مرتبطة بثقافة تلك البيئة. ومع ذلك أصبحت – تقريباً – بالكامل ذات اختيارات، حتى لا يتعب الشاب أو الشابة عقلهما بالتفكير، ولأن المراد ليس عقله بل جيبه. بل تعدى الأمر ذلك التسطيح إلى أن يوحي المذيع أو المذيعة بالإجابات، أو يعدها صحيحة حتى لو لم تكن كذلك، خاصة إذا طال البرنامج، دون أن يفوز أي أحد بإجابات صحيحة.لا نريد أن تثبت الصورة التي تشيعها بعض وسائل الإعلام الغربي، بأن إنسان النفط ليس كامل الأهلية، ليتعامل مع الظروف التي تطرأ عليه من أي نوع كان. فلهذا هو ينام نهاراً، ويصحو ليلاً للهو والعبث؛ فهو لا يعمل شيئاً، لكنه يستقدم بأموال النفط اليد العاملة الرخيصة من آسيا، لتقوم بما يفترض أن يقوم به في منزله وخارج المنزل. أما الذي بلغ سدرة المنتهى في التفاهة، والاستخفاف بالخدمة الإعلامية الإذاعية، فهو برنامج تواصلي، كان مدار الموضوع فيه يرتكز على: ماذا لو لم تكن خدمة الصراف الآلي مستمرة 24 ساعة؟ ثم تقدم المذيعة السيناريوهات المفزعة: إذا ذهبت إلى الصراف المجاور لمنزلك، ووجدته معطلاً أو مقفلاً بعد التاسعة ليلاً، وكنت تريد شراء أشياء، وتحتاج إلى النقد في ذلك الوقت! فهل الإنسان – في رأي معدي هذا البرنامج ومقدميه – عاجز عن النوم ليلاً دون صراف آلي؟ بل هل الإنسان السعودي الموجه إليه هذا البرنامج كائن أبله، لا يستطيع أن يستخدم الصراف نهاراً، أو قبل التاسعة ليلاً، لو كان هناك وقت محدد لاستخدامه؟ ألهذه الدرجة يساير هؤلاء المعدون الكليشات الشائعة عن العربي بأنه غبي، ولا يستطيع أن يتدبر أمره، ويحسب حسابه فيما يستقبل من شؤونه؟ لا نريد أن تثبت الصورة التي تشيعها بعض وسائل الإعلام الغربي، بأن إنسان النفط ليس كامل الأهلية، ليتعامل مع الظروف التي تطرأ عليه من أي نوع كان. فلهذا هو ينام نهاراً، ويصحو ليلاً للهو والعبث؛ فهو لا يعمل شيئاً، لكنه يستقدم بأموال النفط اليد العاملة الرخيصة من آسيا، لتقوم بما يفترض أن يقوم به في منزله وخارج المنزل. ليكن بعلم معدي هذا البرنامج، والمشتركين فيه على السواء، أن عرب شبه الجزيرة العربية قبل النفط كانوا يعملون كل شيء، بطريقة قد تستغربها أقوام تنعتنا بالكسل وقلة الحيلة. لكن كثيراً من الوسائل الحديثة المتلاحقة قد ألحقت ضرراً بهيكل التوجيه والتنسيق في أدمغتنا؛ بدءاً من أجهزة التكييف المتطورة في كل مكان من المنزل إلى السيارة والمكتب، بل ومكان النزهة في الصحراء، ذات الريموت كنترول، مما لا يستدعي معه حتى القيام من أجل تشغيله، مروراً بمواشير الأكل غير الصحي في كل وقت، وبمقادير موحشة لدى بعضنا، وكذلك أجهزة الاتصال المتلاحقة التطور، التي عطلت الحاجة حتى إلى الذهاب إلى البنك، أو إحضار السلعة من المتجر، أو الأكل من المطعم. كل ذلك أدى إلى ترهل أجسامنا، وازدياد البدانة لدى شبابنا، مع ما يرافق ذلك من مشكلات صحية. فكل صاحب مصلحة يعزف على وتر هذه الراحة المزعومة (ما يحتاج تروح .. اطلب وأنت مكانك .. احنا نجيك وين ما تكون .. كلها ضغطة زر ... إلخ تلك الخدمات التي يبدو ظاهرها مفيداً وجذاباً، لكنها ضارة وسلبية في نتائجها)، من شركات الاتصال، إلى المطاعم ومعارض البيع، بل وبرامج بيع الخدمات الإعلامية، التي يمثلها مثل هذا البرنامج. بل إن كثيراً من المقاهي قد وضعت خدمات "تيك أواي" من الشباك المفتوح على طريق السيارة الخاص بجانب المقهى على رأس أولوياتها، وكذلك صرافات البنوك وضع لأغلبها طريق يجعل السيارة تحاذيه، لكي لا ينزل زبونها المبجل. تلك لم تعد خدمات، بل هي تخدير يفضي إلى قلة الحركة. فهل نحن مستيقظون؟