أعطوني خيمة عربيـة!
في الذاكرة بقايا نص نثري لأحد أدباء المهجر الأمريكي. كان النص، إذا لم تخنّي الذاكرة، ضمن مقرر الثانوية العامة. بحثتُ عنه على محرك البحث (جوجل) فلم أعثر له على أثر. واستعنتُ ببعض الأصدقاء فلم أظفر منهم بشيء. لكن عنوان النص «أعطوني خيمة عربية» ما زال عالقًا في الذاكرة. أما المضمون فيعكس مشاعر مغترب في المهجر يمزقه الحنين إلى أرضه وأبناء جلدته. وقد كانت تباريح الغربة باعثًا على تغذية روافد الإبداع لدى كثير من أدباء المهجر. كان كاتب النص المهجري (الذي لا يحضرني اسمه أيضًا) صادقًا وهو ينثر على الورق تلك الكلمات الرومانسية المؤثرة. وكان صادقًا وهو يخاطب الغرب بلغة مشحونة بألم الفقد مقترحًا أن يأخذوا منه كل ما أنتجته حضارتهم من مخترعات، وما وفرته تلك المخترعات من رفاهية، مقابل أن يعطوه خيمة عربية! كنا في تلك المرحلة مهيّأين للذوبان في تلك الرومانسية، وما تختزنه من شحنات عاطفية عالية، إلى حد الانتشاء. ليس في مجال الأدب فحسب، بل وفي مجالات وشؤون أخرى، ومنها الشأن السياسي.كانت عبارة «أعطوني خيمة عربية» هي اللازمة التي يُردِّدها الكاتب بين كل فقرة وأخرى: خذوا هذا.. وذاك.. وذيَّاك من منجزات حضارتكم.. «وأعطوني خيمة عربية». وكانت الخيمة رمزًا لكل ذلك الحيز الجغرافي الناطق بالعربية، والممتد من الماء إلى الماء.وكان ذلك جميلًا في وقته. لكننا اكتشفنا، فيما بعد، أن بناء مدرسة أو مستشفى، أو سفلتة طريق، أو إيصال الخدمات إلى حي سكني، أكثر مصداقية وارتباطًا بحياة الناس من بعض الخطب العاطفية التي تعد الناس بالمنّ والسلوى، ثم تتركهم بلا مأوى.كانت عبارة «أعطوني خيمة عربية» هي اللازمة التي يرددها الكاتب بين كل فقرة وأخرى: خذوا هذا.. وذاك.. وذيَّاك من منجزات حضارتكم.. «وأعطوني خيمة عربية». وكانت الخيمة رمزًا لكل ذلك الحيز الجغرافي الناطق بالعربية، والممتد من الماء إلى الماء. ولو عاش صاحبنا إلى هذا اليوم، وشهد هذا الواقع الجديد، ولو من بُعد، أي عبر أية فضائية عربية، لما جادت قريحته بتلك الكلمات المؤثرة.في مقابل ذلك الصوت الرومانسي الذي يحلم في مهجره بخيمة عربية، يتخذ أمين معلوف، وهو مهاجر أيضًا، منحى آخر أكثر واقعية في روايته (التائهون). حيث لا مكان للأحلام في ذلك التيه المليء بشعاراته ولافتاته، والذي لا يكاد يسمع فيه صوت التعقل والحكمة. الرواية عبارة عن جزء من سيرة ذاتية، والتائهون هم أنفسهم أولئك الذين حلموا ذات يوم بتلك الخيمة العربية الدافئة الحانية التي تغنَّى بها ذلك الأديب المهاجر من قبل. انطلق أمين معلوف من واقع لبنان في سبعينيات القرن العشرين، أي أثناء الحرب الأهلية، حين أصبح لبنان المسمى (لؤلؤة الشرق) حيزًا جغرافيًا طاردًا لأبنائه ومحبيه. حيث الراحل والغائب هو البلد، وليس المهاجر عنه. «فالبلد الذي يحزنني غيابه ويؤرقني»، يقول أمين معلوف، «ليس ذاك الذي عرفته في شبابي، بل ذلك الذي حلمت به، والذي لم يُقدَّر له أن يبصر النور أبدًا»! يسرد أمين معلوف في روايته تلك بعض الأسباب والمحفزات التي تجعل المكان مكانًا لائقًا بالإنسان، ومحققًا للعيش الكريم. ولا حاجة إلى سردها هنا، فهي معروفة للجميع. «أعطوني خيمة عربية»! أبشر بالخير، يا سيّدي الحالم، فلا يوجد، الآن، في تلك الرقعة الجغرافية التي افتقدتها وحننتَ إليها أكثر من الخيام، وخيام الإيواء على وجه الخصوص. ولو استمع الشاعر الراحل محمد الماغوط إلى مناجاتك، لاقترحَ عليك أن تتشبث بمنفاك قبل أن يلحق بك الحزن!