كيف نشتري الوقت؟
أولاً: الوقت (والزمان بمجمله) مصطلح فلسفي مجرد ينبئ عن علاقات يتصورها الإنسان في الكون، وهو غير موجود في الواقع. لكن عصرنا الحاضر قد أتخمنا بمفاهيم جلها يتحدث عن أن الوقت له ثمن، أو كما تنص المقولة السائدة (Time is money). ما دعاني إلى تناول هذا الموضوع ليس الفلسفة السائدة في علوم المنطق واللسانيات بأن الزمن وربيبه (الوقت) غير موجودين في الواقع، ولا الإيقاع السريع لحياتنا في هذا العصر بأن كل وحدة من وحدات الزمان أصبحت تقدر بما يناسبها من المال، لأن الحياة في هذا الزمان (مرة أخرى استعرنا المصطلح) لم تعد قائمة على أسس العصور السابقة من ترك الأمور تسير كما هو مقدر لها، وانتظار النتائج لما يحدث في أي مجال من مجالات حياتنا المعاصرة. بل إن إيقاع الحياة جعل كل وحدة زمنية تمر في حياة الأفراد، وفي سياق الأطر المؤسساتية تعني ما يقابلها ـ حسب الفرد وقيمة تلك المؤسسة المعنية ـفي الحالات الاقتصادية لا بأس من استخدام مصطلح الشراء؛ أما في السياسة فإن الشراء يكون غالباً مرتبطاً بخيانة أمانة، وبيع ذمة مقابل الحصول على منافع ذاتية، أو مقابل مادي لذلك البيع. فهي إذاً عملية غير نزيهة، أن تدخل عمليات البيع والشراء في المساومات السياسية، لكن هل يظن أحد منكم أن السياسة حتى في ملاعبها الكبيرة لا تتم فيها تلك المساومات، وبيع الذمم وشراء المصالح؟ أنا لا أظن ذلك، ولي في كثير من الشواهد والأحداث التي تجري من حولنا دليل على ذلك!.من وحدات مالية تقدر في حسابات معقدة لم يعد التنازل في اعتبارها قائماً أو مقبولاً بأي حال. لكن ما يدعو إلى التساؤل أن حالات متعارضة تماماً يعبر عنها بشراء الوقت؛ بعضها يتعلق بأوضاع مأساوية لشعوب تعيش تحت جحيم أنظمة دكتاتورية ظالمة، ويعاني الناس من بؤس وقمع ومحاولات كسر إرادة تلك الشعوب بكل أنواع الاضطهاد والقهر والعنف، بل والقصف بما يشبه الحرب التي تشنها تلك الأنظمة الدكتاتورية على شعوبها. وحين تطرح تلك الأنظمة مبادرات أو رؤى نظرية للسلم في بلدانها، وإن كانت غير منطقية، وذات أبعاد غير قابلة للتطبيق، يطلق على تلك المبادرات بأنها محاولات لشراء الوقت؛ وفي المقابل نجد في مجالات الاقتصاد، التي تكون الأوضاع المالية لأحد البلدان غارقة في الوحل، وتجري محاولات لإبعاد البلد عن السقوط، فتكون تلك المحاولات في إطار ما يسمى في الاقتصاد أيضاً بشراء الوقت. فهل شراء الوقت في الحالتين متقارب؟ في الأولى جرى حديث عنها في حالة النظام السوري، عندما حاول المرة تلو الأخرى إغراق الجو السياسي بحالات من الأمل والإحباط؛ بين مبادرات من الجامعة العربية ومن الأمم المتحدة، وبميثاق جنيف الأول والثاني المعدل، وبمفاوضات بين الأمريكيين والروس، وبين المعارضة والنظام، وبمبادرة طيب الذكر كوفي عنان الذي لم يفلح في حلحلة الوضع لتحقيق أي خطوة تقارب بين النظام العراقي والأمريكيين في وقت ولايته في الأمم المتحدة، ثم في مبادرة لاحقة من خلفه – العربي الأخضر الابراهيمي – الذي لم تكن لديه الكرامة ولا الصراحة في إعلان أي موقف عما وصلت إليه الأمور. وقد أصبح الحديث عن رموز ومواقع ومواقف لا يعلم من أصحابها ولا حدودها، إلى الحد الذي لا يعلم أحد إلى أين تتجه الأمور. أما الحالة الثانية، فقد تحدث عنها الإعلام في حالة الأزمة المالية في قبرص؛ حيث وصلت الأمور إلى درجة قاتمة من التشاؤم. فالأوربيون رفضوا أن يتصرف أصحاب الشأن في قبرص بما رأوه صحيحاً، والسياسيون في قبرص (ومن ورائهم الجموع الغاضبة) عبروا عن رغبتهم في تحقيق طموحهم برفض ما حاول الأوربيون إملاءه عليهم. وبعد أن بدأوا في التفاوض مع الروس بشأن الإسهام في حل أزمتهم بحل يتفق عليه الطرفان؛ إما بشراء بعض بنوك قبرص مقابل تقديم قروض غير مشروطة إليهم، خلافاً لما هي عليه شروط الأوربيين، بدأ الأوربيون يتحدثون عن تقديم مقترحات إلى القبرصيين بشراء الوقت لهم من أجل التفاوض. فماذا يعني هذا الشراء؟ هل هي رشوة لأجل الرجوع عن قرارهم بالتحول نحو روسيا، أم هو إقرار بخطئهم التكتيكي في ترك الأمور في أحد البلدان التابعة للاتحاد الأوربي تنزلق إلى ذلك الحد الخطير؟ وفي الحالات الاقتصادية لا بأس من استخدام مصطلح الشراء؛ أما في السياسة فإن الشراء يكون غالباً مرتبطاً بخيانة أمانة، وبيع ذمة مقابل الحصول على منافع ذاتية، أو مقابل مادي لذلك البيع. فهي إذاً عملية غير نزيهة، أن تدخل عمليات البيع والشراء في المساومات السياسية، لكن هل يظن أحد منكم أن السياسة حتى في ملاعبها الكبيرة لا تتم فيها تلك المساومات، وبيع الذمم وشراء المصالح؟ أنا لا أظن ذلك، ولي في كثير من الشواهد والأحداث التي تجري من حولنا دليل على ذلك!.