د. فالح العجمي

التظاهر .. نشأته وأصوله وتطبيقاته

ليس هناك خصيصة سلوكية لدى الأطفال تعلمهم أسس التعامل مع الواقع المحيط بهم على الطبيعة مثل سلوك «التظاهر». حيث يتعلم الطفل كيفية اشتغال العالم، ويفهم أيضاً من خلالها ماذا تعني الأشياء، وماذا تفعل؛ وفي الوقت نفسه يدرك كيف يتنبأ بمجريات الأحداث وتغير الحالات في البيئة المحيطة به. فالتظاهر، وإن كان هو نفسه لا يخلق إدراكاً لمن يمارسه، إلا أنه يشكل خطوة جوهرية في طريق تطوير الدماغ الاجتماعي. وكل أطفال البشر – افتراضياً – لديهم الميل الفطري لاكتساب المهارة في واحدة من صور التظاهر أو أكثر، بدءاً من سن 18 شهراً إلى 24 شهراً، سواء شجعه الوالدان أم لم يشجعانه. ومن أجل ذلك تتجه بعض صناعات الألعاب المخصصة لتلك الأعمار إلى مساعدة الطفل في التعرف على السلوك الذي يود التظاهر باتخاذه؛ من تقليد أصوات أو حركات بشرية أو حيوانية، أو تقمص أدوار مركبة من مشاهدات الطفل أو تصوراته المكتسبة.يبدأ الإنسان في بناء مخروطه الذهني المنطلق من نقاط تتماس مع الواقع، لكن دائرته تتسع لتتكون في كل مساحة منها مفاهيم للآخرين، يختلف عما في ذهنه أساساً، أو ما اكتسبه من ثقافته البيئية أو المجتمعية. وعلى أساس ذلك الافتراق والتباعد والاتساع في دائرة المخروط (قاعدته) تكون قدرة المرء على التعايش مع الاختلافات عند الآخرين، ومرونته في جعل تصوراته نسبية لا تمثل الحقيقة المطلقةخلاصة التجربة أن أذهاننا عليها أن تستقبل عالماً عقلياً، يمكن أن يكون مختلفاً عن العالم الفيزيائي. فعندما يستقبل الذهن أشياء أو أناساً، يشكل لهم تمثيلاً عقلياً (طبعاً من خلال النظام السيميائي الأقوى لدى الإنسان وهو اللغة)، بأن هذا الشيء هو كذا، أو أن هذا الشخص هو كذا (ليس اسمه وموقعه الرسمي فقط، بل أيضاً مقترنات أخرى متصورة). وهذا النوع من التمثيل المباشر يسمح لنا بأن نتعلم أفكاراً عن العالم، ما طبيعتها؟ هذا ما سنعرفه بعد حين. الآن سنأتي إلى المرحلة الصعبة: عندما نفكر في محتويات عقول أناس آخرين، نحتاج إلى طبقة أخرى من التمثيل؛ حيث نضع اقتباسات عن بعض الأشياء، مثل: «إنه يرى كذا وكذا»، بوصفها علامة اهتداء لنا، لكي لا نتوه أثناء تصنيفه. فالتصنيف ليس هيناً بدون هذه العلامات الإرشادية، حيث إن البشر من أعقد مكونات هذا الكون. وتلك الكفاءة لتكوين التمثيل الماورائي هو ما جعل «التظاهر» يكون أعلى قدرات البشر في استيعاب نظرية العقل؛ إذ لا يوجد سوى درجة واحدة بين مقولة «هو يتظاهر بكذا» أو «هو يعتقد بكذا». وعن هذه القرابة نشأت مصطلحات مثل: «جعله يعتقد ...». بل إن بعض الدارسين من جعل «التظاهر» هو الأرضية الرئيسة التي نتعلم من خلالها «كيف نفكر في التفكير». كيف نعرف أن الطفل يفهم بأن الآخرين لديهم أيضاً عقول خاصة بهم؟ الاختبار الأقوى في هذا الشأن هو معرفة ما إذا كان الطفل يفهم بأن شخصاً آخر يمكن أن يكون لديه اعتقاد خاطئ. ومن أجل أن يكتسب الطفل هذه المقدرة، عليه أن يتعرف على أن الشخص الآخر يمكن أن يرى العالم بطريقة مختلفة. وعليه أن يتصور بأن ما في ذهن ذلك الآخر هو تمثيل ماورائي. وهنا يبدأ الإنسان في بناء مخروطه الذهني المنطلق من نقاط تتماس مع الواقع، لكن دائرته تتسع لتتكون في كل مساحة منها مفاهيم للآخرين، يختلف عما في ذهنه أساساً، أو ما اكتسبه من ثقافته البيئية أو المجتمعية. وعلى أساس ذلك الافتراق والتباعد والاتساع في دائرة المخروط (قاعدته) تكون قدرة المرء على التعايش مع الاختلافات عند الآخرين، ومرونته في جعل تصوراته نسبية لا تمثل الحقيقة المطلقة. وما يشكل في ذلك البناء المقترنات المتصورة المحتفظ بها عن الآخرين هي تلك النقاط الموزعة على كل قاعدة من البناء المخروطي؛ لأنه مع الزمن يطول (افتراضاً في تمثيلنا له في هذا التحليل)، ومع طوله تزداد القواعد المتراكمة بعضها فوق بعض، ويزداد اتساع الدوائر. وبذلك تكون خبرة الشخص أعمق، وقابليته للتعامل مع الآراء المتباينة وبعض التصورات المختلفة عما عهده أكبر من ذي قبل. بقيت الإجابة عن السؤال المتعلق بطبيعة تلك الأفكار عن العالم التي يسمح لنا التمثيل المباشر بتعلمها؛ فأهم محدداتها أنها ذات طبيعة تحليلية، بمعنى أنها تقبل التجزئة. وذلك خلافاً للإنسان الذي لم ينشأ عنده ذلك المخروط الذهني، أو بقي قصيراً، لأنه يقصي كل محاولة عقلية للتعامل مع ما يرد إليه من بيانات عن العالم من حوله. وإذا بقيت آليات عمل أذهان أغلبية الأفراد في مجتمع ما تحليلية، فإنه ليس في خطر؛ أما إن غلبت الآليات التركيبية: تقبل بالمجمل، وترفض دون تمييز بين مكوناتها، فإن الكارثة تحدق به.