د. فالح العجمي

الهيمنة الذكورية والحركة النسوية

كعادة كل مراوغة للسلطة، تسعى المرأة في كل زمان ومكان – غالباً – إلى خرق جدر الهيمنة الذكورية، وعدم احترام مبادئ القسمة غير العادلة في نظر المرأة؛ باصطفاء الرجل السلطة لنفسه، وإعطاء المرأة جانباً من التنظيم الداخلي في المنزل والأسرة. فإذا عددنا ذلك مؤشراً دالاً على وجود نوع من الصراع، وإن كان يبدو خفياً وغير واعٍ، صراع مع الآخر، الآخر المهيمن، صراع هدفه فرض الذات – لظننا بأنه كلما وجدت علاقات قوة، انبثقت أشكال المقاومة لها، وبأن قوة الدفع تزداد بقدر التضييق – فإن الحركات النسوية هي التنفيس المضاد لتلك الهيمنة الذكورية.الإنسان ميال إلى الربط بين الأضداد كالأسود والأبيض، والنعمة والبلاء، الأعلى والأسفل، المذكر والمؤنث؛ إحداثيات ذات دلالات رمزية كبيرة في كل الثقافات. كما أنه يدل على تسلط الشعور (واعياً أو غير واعٍ) بالمرأة التي لا تتلاشى من داخل الذات إلا بتلاشي الذات، ذلك أن نفي المرأة وإقصاءها هو نفي وإلغاء للذات.وقد مثلت المدينة في تاريخ أغلب الحضارات لغزاً فيما يخص المرأة؛ فهي بوصفها مكاناً عاماً كانت تشكل فضاء معادياً للمرأة، لكنها ظلت مهووسة بالرغبة في المرأة بفعل غيابها في حد ذاته. فالغياب يخلف فراغاً: ثنائية الملء والفراغ، التعمير والخلاء؛ أي قانون مبدأ التضاد، وهو أحد مبادئ الترابط الثلاثة التي وضعها أرسطو. وخلاصته أن الإنسان ميال إلى الربط بين الأضداد كالأسود والأبيض، والنعمة والبلاء، الأعلى والأسفل، المذكر والمؤنث؛ إحداثيات ذات دلالات رمزية كبيرة في كل الثقافات. كما أنه يدل على تسلط الشعور (واعياً أو غير واعٍ) بالمرأة التي لا تتلاشى من داخل الذات إلا بتلاشي الذات، ذلك أن نفي المرأة وإقصاءها هو نفي وإلغاء للذات. فهل تستغل المرأة – دون وعي – هذه الحاجة إليها المرتبطة بإقصائها، فتسعى إلى أسر الرجل في حبائل فتنتها، كما تروي الثقافات القديمة، وتحذر منه الأديان؟ بصفة عامة، هي تستخدم جمالها، أو إحساس الرجل بجمالها، ومغريات الأدوات المستخدمة، من ملابس وعطور وحلي، لتتجاوز غرضها النفعي المباشر، فتوظفها في رمزية سيميائية مقصودة أو غير مقصودة. وتبدو على ارتباط وثيق بمفاتن جسدها، وتحاول معرفة ما يناسبه من أدوات الزينة والإغراء. فهل كشف بعض مناطق الجسد الأنثوي عامل من عوامل الغواية والإثارة؟. سعت المرأة في كل العصور إلى تطوير عرضها الأزياء المغرية، وكانت في كل مرحلة تحاول أن تتماهى مع النسق الثقافي لمفاهيم الجمال والإغراء. وهذا يعني أنه في كل ثقافة هناك منظومة غواية وإثارة، وهناك منظومات عديدة متنوعة بتنوع الثقافات. وهذه المنظومات هي نفسها عرضة للتطور والتغيير ضمن إطار ما، وهو ما يحدث تغيرات في الأزياء والإيقاعات والكلمات والحركات المعتمدة من ثقافة ما والمعبرة عنها. أما في تراثنا، فإن الحديث عن المرأة يكون من واقع وضعها في إرضاء رغبات الرجل. فنجد الجاحظ على سبيل المثال في إحدى رسائله يقول: "واليمن أشهى النساء عندهم الحبشيات وبنات الحبشيات"، محدداً القيمة في المتعة الجنسية. وفي المقابل كان عمرو بن العاص قد دخل على معاوية، وبين يديه ابنته عائشة، فقال: من هذه؟ قال معاوية: هذه تفاحة القلب. فرد عليه عمرو: انبذها عنك فوالله إنهن ليلدن الأعداء ويقربن البعداء، ويورثن الضغائن. وقد امتد ذلك العداء إلى منعهن من الإرث، فقد كان ذلك المنع يطبق في كثير من الأحيان تحت شعار: "لا يرثنا إلا من يحمل السيف، ويحمي البيضة". كما يحدث في الغالب أيضاً اغتصاب حق المرأة في مهرها. وعندما يقسم الغزالي النساء، يرتبهن بمقارنة كل واحدة منهن بأحد الحيوانات، ويذكر الصفة المرتبطة بالمرأة من ذلك الحيوان؛ وهي: الخنزيرة، القرد، الكلب، الحية، البغلة، العقرب، الفأرة، الطير، الثعلب، الغنمة. بل إن النوع الأخير من النساء هي أفضل النماذج (المباركة الرحيمة، كل ما فيها منفعة وبركة، وهي المرأة الصالحة الكثيرة النفع، المشفقة على زوجها وجيرانها وأقاربها وأهل بيتها وأولادها، المطيعة لربها)، ومع ذلك سماها "الغنمة". ويعد ابن الجوزي أحد المتطرفين في مواقفه من حقوق الرجل على المرأة؛ وذلك بإيراده النصوص الدينية التي تمنع المرأة من الاشتراك في الفضاء العام، وتبالغ في حث المرأة على تحمل تجاوزات الرجل، مثل: "وينبغي للمرأة أن تصبر على أذى الزوج كما يصبر المملوك". وأما في عصرنا الحديث، فقد ارتبطت قضايا المرأة لدينا بالفساد وتقليد الغرب والخوف من الانحلال، إلى غير ذلك من العوامل التي لا تثار عندما يكون الحديث عن الرجل. فأصبح التخويف قائماً على تضخيم أي عمل يخص المرأة، أو تقوم به المرأة في المجتمع. فهل أصبحت المرأة طوطماً لهذه الشعوب؟