بعضهم يحب الشِّعرَ !
تُصوّر الشاعرة الألمانية جيزيلا كرافت يوما مقفراً بلا شِعر فتقول: «تغفو الورقة.. ما زال البحر هو البحر.. الورقة مازالت تغفو بيضاء.. وتنتظر»! حذفت (بتصرف) ثلاثة أرباع النص، وأبقيت على ما ظننت أنه بيتُ القصيد. وبيت القصيد هنا هو حالة الانتظار؛ انتظار ما هو أفضل (طبعا)، وكذلك حالة السُّبات والثبات والسكون حيث «البحر هو البحر» قبل أن «تستيقظَ» أو «تخضرَّ» الورقة! كان لا بد من ذلك الاقتباس للحديث عن يوم الشعر العالمي الذي احتفل به العالم يوم الخميس الماضي (21 مارس). وإذا استثنيتَ الاحتفاء الخجول بهذا اليوم من قبل بعض المؤسسات الثقافية العربية، يمكنك أن تقول إنه قد مرَّ ولم يُلتفتْ إليه عربيا كما ينبغي، وللناس عذرهم، ولهم لهاثهم اليومي لتأمين الأولويات. صحيح أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، لكن من غير المعقول، أيضا، أن توصي من لا يملك ثمنَ الخبز بأكل (جاتوه)، أو بشراء تذكرة لحضور مسرحية.الاحتفال بيوم للشعر هو احتفال بالجمال، وتمجيد للحب وللحياة. فمنذ أن أطلَّت شمسُ الفن على هذا الكوكب، والفنان يرى العالم كيفية ناقصة عما يجب أن يكون عليه، وفقا لرؤيته وتأويله للعالم. هناك دائما نقص لا بد من الانتصار عليه، نقص لا يُرى إلا بعدسات الفن القلقة.تعبر الشاعرة البولندية الحائزة على جائزة نوبل فيسوافا شيمبورسكا عن ذلك العزوف بقولها: بعضهم يحب الشعر، يعني ليس الجميع، حتى ليس أغلب الجميع، لكن القلة، دون أن نعد المدارس حيث الإلزام، والشعراء أنفسهم، ربما سيكون هؤلاء الأشخاص اثنين في الألف. لكن الحَسَاءَ مع المعكرون محبوب أيضا، ومحبوبة المجاملات واللون الأزرق، ومحبوب الوشاح القديم، ومحبوب البقاء عند ما هو ذاتي، ومحبوبة مداعبة الحيوانات الأليفة.»! أما أوضح شاهد على انصراف الناس عن الاهتمام بذلك الجانب الجمالي فهو خُلوُّ القاعات في الأمسيات الثقافية، والازدحام على عروض التخفيضات الموسمية، وعلى مدرجات «الساحرة المستديرة». وهو ما دعا أحدهم إلى اقتراح إنشاء شركة تعمل على توفير جمهور لنشاطات المؤسسات الثقافية. الاحتفال بيوم للشعر هو احتفال بالجمال، وتمجيد للحب وللحياة. فمنذ أن أطلَّت شمسُ الفن على هذا الكوكب، والفنان يرى العالم كيفية ناقصة عما يجب أن يكون عليه، وفقا لرؤيته وتأويله للعالم. هناك دائما نقص لا بد من الانتصار عليه، نقص لا يُرى إلا بعدسات الفن القلقة. قد يكون ذلك النقص صوتا نشازا، أو نافذة موصدة دون الشمس والهواء، أو وردة في مستنقع، أو موهبة موءودة. وإذا استثنيتَ أولئك الذين ما زالوا يقطنون (جبل الأولمب)، أو أولئك الذين تتنافر حقيقتهم الشعرية مع طبيعتهم البشرية، فإن كل روح شاعرة تعيش، هذه الأيام، حالةَ حِداد. فأين يقف الشاعر إزاء ذلك النقص؟ هل يتغنى بالضياء أم يؤبّنه، وقد اختطفته مخالب الظلام؟ وكيف يتغزل بالربيع، وكل فصول السنة مختطفة؟ وكيف يساهم في ترتيب البيت البشري في دوَّامة تلك الفوضى المدمرة؟ وماذا عسى أن يقول، وهو يشاهد لافتات العنف والتخلف (المؤدلج) غير ما قاله الشاعر النمساوي إريش فريد: «من يرغب أن يبقى العالم في الوضع الراهن هو في الواقع لا يرغب أن يبقى العالم»! يوم الشعر هو يوم للحب والحرية. وإزاء هذا الاختلال، وتلك الفوضى غير الخلاَّقة التي يمر بها العالم، تصبح كل قصيدة حب دعوة للخلاص. أو هي (صرخة) تعبر عن القلق والخوف على مستقبل العالم. صرخة شبيهةٌ بتلك اللوحة التي رسمها الفنان إدوارد مونش، وعبَّرت عنها الشاعرة مارجوت شاربنبرج بقولها: «من أجل الصم.. كي لا يهووا في جوف الصورة كالعميان»! كل سنة والشعر بخير..