أعوام الغوث .. قبرص شاهداً
بدت أزمة قبرص تثير هلعا كبيرا بعد إعلان خطة الإنقاذ الأوروبية، والتي أتت بمعادلة ذات نتائج سلبية على أكثر القطاعات الاقتصادية اعتمادية في الناتج المحلي القبرصي وهو القطاع المصرفي الذي حقق طفرة غير مسبوقة ونما بمعدلات مبهرة حتى باتت قبرص مركزاً مالياً مرموقاً على مستوى العالم، فتحميل القطاع المصرفية ضريبة على ودائعه كجزء من الحل، قد يقضي على سمعة قبرص البنكية وينهي احتمالية إعادة بناء القطاع من جديد فيما لو تم تطبيقه.قبرص المقسمة بين قبرص الجنوبية والشمالية هي ذاتها في الداخل، فقبرص الشمالية ذات الأكثرية التركية إنما هي سوق نامية مشابهة إلى حد كبير لتركيا، بينما قبرص الجنوبية ذات الأغلبية اليونانية هي واجهة أوروبية استطاعت أن تنضم إلى منطقة اليورو.ولان الاقتصاديات العالمية في أزماتها علمتنا أنها كحجر الدومينو إذا سقطت إحداها تداعت كلها بالسقوط، فان الأزمة اليونانية العاصفة والتي استمرت ثلاث سنوات مهددة ومتوعدة منطقة اليورو هي أكثر من أثر على قبرص –اليونانية-.فبعد الطفرة الاقتصادية التي صاحبها رخاء مالي كبير منتصف العقد الماضي، شهد العالم تحسنا ملموسا في معدل السيولة تنعّم بها العديد من الأفراد على اتساع الكرة الأرضية، ذلك الرخاء انعكس بشكل كبير على القطاع المصرفي في أنحاء العالم حتى ظهرت لنا مراكز مالية واعدة وانسحب ذلك على المجتمعات التي توجد فيها ففتحت الأسواق وبالذات سوق الوظائف وحتى مداخيل الأفراد ارتفعت، وكانت قبرص احد تلك المراكز التي ازدهرت خلال تلك الفترة.ولان هناك قاعدة رصينة تقول إن كل مقبل مدبر، وعبرة جسدها لنا القرآن الكريم أن هناك أعواما « يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ» –يوسف 48- صدق البارئ عز وجل في قوله فتلك حكمة الكون التي تقتضي التحصن من الآتي أو كما يطلق عليه الاقتصاديون بالتحوط، وهو مصطلح يعني الوقاية من المخاطرة، وإلا فإن الأمر سيؤدي إلى نهاية وصفها الخالق سبحانه بقوله « ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ»-يوسف 49_ وهذا بالضبط ما يحدث في قبرص اليوم، فعلى الطرف الآخر من الأزمة هناك حالات إنسانية عظيمة في قبرص اليوم وحتى باليونان، عوائل تقف على قارعات الطرق تتسول لقمتها، بعد أن فقد معيلوها وظائفهم ومأواهم، ولم تعد الدولة قادرة على تقديم المساعدة لها.هي ليست مشكلة اقتصادية لدولة فحسب إنما هي أزمة يجب أن نقف على أبعادها، فالتاريخ وعلى صفحاته البعيدة والقريبة يذكر لنا بأنه كانت هناك أعوام فيه يغاث الناس، بعد أزمات اقتصادية طاحنة، أزمة العشرينات أبرزها، أدت إلى انتشار الفقر والمجاعة، هذه الصورة لم تكن لتحدث لو اعتمدت الدولة سياسة الاعتدال والادخار ونبذ الفساد السبب الرئيسي لانهيار الاقتصاديات وسقوطها.