اللامعقول في استخدام الهاتف المنقول!
يقول الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو: «لا شيء أسهل من التهكم على مستخدمي الهاتف المحمول.. ومع ذلك ينبغي معرفة إلى أية فئة من الفئات ينتمون»، أي أن التهكم لا يطال كل الفئات. لذلك يستثنى المرضى الذين تضطرهم حالتهم الحرجة إلى البقاء على اتصال مع الطبيب أو الإسعاف، وكذلك الذين ترغمهم الأعباء المهنية على اللجوء إليه لأي طارئ (رؤساء فرق الإطفاء، أطباء الريف، زارعو الأعضاء وهم ينتظرون جثة طازجة). بالنسبة لهؤلاء، يقول إيكو، «يشكّل الهاتف المحمول ضرورةً تجلب لهم المشقة لا السعادة». وبناء على ذلك فإن المقصود بالتهكم هي تلك الفئة التي تستخدم الهاتف المحمول دون حاجة مُلحّة، ومن قبيل «لزوم ما لا يلزم». أو للتسلية ومقاومة السأم، تذكرت تهكمات إيكو، قبل أيام، كنت أراقب المزارع خشية أن يرمي بالسعف أو (الكَرَب) كيفما اتفق فتصيب الأشجار الصغيرة. وكان هاتفه المنقول يرن بين حين وآخر فيرد على المكالمات، وهو متعلق بسعف النخلة، وكنت أخشى أن يقع من ذلك العلو الشاهق. كانت لوحة سريالية عنوانها «الهاتف المحمول والنخلة».عندما كنت بصحبة أحد الأبناء وهو يقود السيارة في أشد الأماكن ازدحاما وفوضى مرورية. لكنه ما أن يسمع نغمة الإشعارات حتى يتناول هاتفه للاطلاع على الرسالة الواردة والرد عليها أيضا. أقول له: «لا تنشغل بغير الطريق»، فيرد قائلا: «لا تقلق، يا بابا، أنت في أيدٍ أمينة»! وحين استبد بي القلق، قلت: «ألا يمكن تأجيل ذلك كله حتى الوصول إلى البيت؟» قال: «حاضر».. لكن ذلك الالتزام الذي تلخصه كلمة «حاضر» سرعان ما ينهار أمام إغراء رنة الهاتف أو نغمة الإشعارات. مازال الهاتف المنقول موضوع هذا المقال.. وفي منزلنا نخلة (خلاص) يتيمة زرعها قريب لي كان يهتم بالبيت أثناء وجودنا في الخارج للدراسة. نَمَتْ النخلة وأثمرت، وصار بلحها «دواء» كما تقول وردة الجزائرية في أغنيتها المعروفة «يا نخلتين بالعلالي يا بلحهم دوا». لكنها، وبعد أن صارت في (العلالي) لم يعد الوصول إليها سهلا كما كان من قبل، وشأنها في ذلك شأن بعض البشر. لذلك صرت أستعين بمزارع يأتي كل عام ليشذبها ويستأصل (الطَّلع) قبل أن يصبح بلحا. هذا العام كنت أراقب المزارع خشية أن يرمي بالسعف أو (الكَرَب) كيفما اتفق فتصيب الأشجار الصغيرة. وكان هاتفه المنقول يرن بين حين وآخر فيرد على المكالمات، وهو متعلق بسعف النخلة، وكنت أخشى أن يقع من ذلك العلو الشاهق. كانت لوحة سريالية عنوانها «الهاتف المحمول والنخلة». تذكرتُ عندئذ مجموعة قصصية للأستاذ خليل الفزيع عنوانها (الساعة والنخلة) وتساءلت: من كان يتصور مثل هذا المشهد السريالي قبل عقدين من الزمن، ولا يتهم في سلامة قواه العقلية؟ قبل أيام، أيضا، كنتُ في صالون حلاقة. لا تتهكموا قائلين: «ولماذا تذهب إلى صالون حلاقة؟» هذا سؤال مغرض! صحيح أنني كتبت عن الصَّلع بشكل أثار بعض الشكوك، إلا أن الأمر ليس بذلك السوء. ويمكن وصف الحالة على أنها «غزارة في الإنتاج، وسوء في التوزيع»! ولكي لا أطيل عليكم، فقد أسلمت رأسي إلى الحلاق. وما هي إلا لحظات حتى رنّ جرس هاتفه المحمول، وكان علي أن أتحمل ثرثرة صاحبنا (بالأوردو) مدة طويلة. لم أكن محظوظا في ذلك الصباح، فقد توالت المكالمات والرسائل على حلاقي المبجَّل. ولأني أدرك فضيلةَ الصمت في صالون الحلاقة، فقد كان علي أن أطوّل بالي مع شخص يحمل شفرة حادة بيد وهاتفا محمولا باليد الأخرى! وبعد، تلك ثلاث حكايات (بطلها) الهاتف المحمول لا تحتاج، كما يبدو، إلى تعليق.