طموحات ثقافيـة رائـدة
في ختام ملتقى مجلة «العربي» الثاني عشر الذي عُقد في الكويت تحت عنوان: (الجزيرة والخليج العربي.. نصف قرن من النهضة الثقافية) أشار الدكتور سليمان العسكري رئيس تحرير مجلة «العربي» إلى أن جلسات ندوة واحدة لا يمكن أن تسع نصف قرن بكل تحوّلاته ومعطياته ومستجداته الثقافية، ومع ذلك فإن ما طُرح في هذا الملتقى اتسم بالشمولية حيث تناول معظم ملامح (التراكم الكمي خلال نصف قرن) في المجال الثقافي، وقد تضمّنت توصيات الملتقى التي قرأها الدكتور العسكري في أعقاب انتهاء أعمال الملتقى العديد من قضايا الثقافة أهمها ضرورة وجود البُنى التحتية للمراكز الثقافية، وأن يتجاوز دور الأدب والفن مكانه في تطلعه للمستقبل، وأن يكون للشباب دورهم الفاعل والمؤثر في صناعة المستقبل.دول الجزيرة والخليج العربي ما زالت تفقر إلى البُنى التحتية التي يمكن أن تقوم عليها نهضة ثقافية شاملة، إذا أريد لها أن تسهم في الحِراك الثقافي العربي العالمي، حتى لا تظل دول هذا الجزء من العالم بمنأى عن القيام بدورها في هذا المجال على المستوى الإنساني العام، وهي تملك كل الإمكانيات والدوافع لقيام هذه البنية التحتية، لذلك تظل الحاجة ماسة وملحّة (للمراكز الثقافية الضخمة التي تفتح فضاء جديدًا للإبداع، خاصة تلك التي تتناول الفن التشكيلي الحديث، والأوبرا، والمسارح، ودور السينما، فضلًا عن الفعاليات الدولية خصوصًا المهرجانات الفنية السينمائية والتشكيلية).دول الجزيرة والخليج العربي ما زالت تفقر إلى البُنى التحتية التي يمكن أن تقوم عليها نهضة ثقافية شاملة، إذا أُريد لها أن تسهم في الحِراك الثقافي العربي العالمي، حتى لا تظل دول هذا الجزء من العالم بمنأى عن القيام بدورها في هذا المجال على المستوى الإنساني العام، وهي تملك كل الإمكانيات والدوافع لقيام هذه البنية التحتية.ولا شك في أن دور الأدب والفن قادر على أن يستمد مقوّماته من الماضي عندما يعكس الواقع ويستشرف المستقبل، وهو دور لا يقتصر على أحد هذه الأركان الثلاثة التي تضمن فاعليته وإيجابيته وهي الماضي والحاضر والمستقبل، بتوازن تفرضه طبيعة هذا الدور الذي يحكمه هدف نبيل لإظهار ما للأدب والفن من قدرة على المشاركة في الحراك التنموي الشامل، وأي تركيز على الماضي أو الحاضر أو المستقبل دون غيره، فإنه سيؤدي حتمًا إلى خلل وشلل في التنمية الثقافية التي يسعى الجميع للوصول إليها من خلال المؤسسات الرسمية والأهلية المشتغلة بالأدب والفن، على ضعف إمكانياتها وغياب استراتيجية العمل فيها، حيث (إن دور الأدب، والفن، ومقوّمات الثقافية، لا يقف عند التعبير الجمالي في النصوص المدوّنة والمرئية والإلكترونية، وإنما يتجاوز هذا الدور مكانه ليكون تأريخًا للماضي، وشهادة موثقة للواقع ومحرضًا في الحاضر، واستشرافًا للمستقبل).وإذا كانت الأجيال جميعًا تشارك في أي حراك تنموي بما فيها الثقافة والأدب فلابد من إعداد جيل الشباب لصناعة المستقبل من خلال العناية بتجارب الشباب وتشجيعها واحتضانها لتصبح أساسًا قويًا لمستقبل هذه الأمة وهذا العالم، فالشباب هم عدة المستقبل، وعلى أكتافهم ستقوم نهضته، وبأيديهم ستتحدّد مساراته، وما لم يحظ الشباب بالرعاية والعناية والتشجيع، فإن مستقبل الأوطان يظل في خطر داهم، عندما يعجز الشباب عن القيام بدورهم في مواجهة التحديات الشرسة التي تواجهها دولنا، وما تعنيه من أخطار الأطماع الخارجية والعقبات الداخلية، تتمثل من سهام مسمومة تحملها الثقافات الوافدة من الخارج، والاعتماد على السلوكيات الاستهلاكية في الداخل، وهي سلوكيات تؤدي إلى تهميش دور الشباب في الحاضر والمستقبل، لأنه لا يُتيح فرص الإنتاج للقادرين عليه (إننا نعوّل كثيرًا على الشباب، هم المستقبل، صنّاعُه، والحالمون به، وهم القوى المحرّكة للغد، ولذلك يجب أن تولّى تجارب الشباب الأهمية القصوى في كل مشروعاتنا)، خاصة المشروعات الثقافية التي تبعث الثقة في نفوس الشباب، وتعكس طموحاتهم في إثبات وجودهم على مختلف الأصعدة الثقافية وغير الثقافية. بقي أن نقول إن تبني «مجلة العربي» لهذا الملتقى السنوي هو خطوة كبيرة إلى الأمام تؤكد دور المجلات الثقافية في مجال التنمية الثقافية العربية، وكانت «العربي» ولا تزال هي الرائدة في هذا المجال من خلال ما قدّمته خلال نصف قرن من العطاء الفكري والثقافي، وما تقدّمه في سنواتها الأخيرة من مطبوعات متنوّعة وملتقيات ثقافية حريصة على طرح ومناقشة مختلف القضايا ذات العلاقة بالثقافة والآداب والفنون والتراث، وهذه طموحات ثقافية رائدة يمكن أن تحققها عزائم المخلصين للثقافة.