د. فالح العجمي

هما عصب الحياة في أوروبا !

 كلاهما ممتد ، وكل منهما أفعواني ، تنعكس منه أشعة الشمس ، ويأتي أيضاً بالمدد ووسائل الحياة إلى المدن والقرى التي يمر بها، والمتناثرة على ضفة أحدهما، وعلى طريق الآخر. سألني أحدهم: لماذا توجد أغلب المدن التاريخية في القارة الأوروبية على ضفاف الأنهار ، وتوجد في وسطها، وبمكان بارز جداً محطة القطار الرئيسة، وربما تتعدد المحطات إذا كانت المدينة كبيرة ؟ اندفعت مني تأوهات قبل الرد ، وأردفت: ألا تتوقع السبب في ذلك؟ الأوربيون في قارتهم المحدودة جغرافياً، والغنية بموارد الطبيعة، كانت مضطرة في فترة إنشاء مستعمرات البشر ، التي تحولت لاحقاً إلى تكتلات سكانية، ثم قرى ومدن، كانوا مضطرين لاستغلال تلك الموارد. فاختاروا مناطق التواءات الأنهار ، لتكون مقراً لسكناهم، حيث يشربون من مياه النهر، ويتنقلون من خلاله إلى مناطق أخرى بإمكانات بسيطة وتكاليف قليلة، كما يعتمدون عليه في أمور اقتصادية ودفاعية متعددة.ما زلنا نتخبط في إحداث وحدات سكنية مناسبة لمئات الآلاف من الشباب المقبلين على العمل، أو الحديثي الزواج، ومثلهم من العائلات التي تعاني من مشكلات الغلاء الفاحش في أسعار العقارات؛ ونحن في بلد يفترض ألا يكون فيه أزمة إسكان، لقلة عدد السكان واتساع الأراضي ووفرة الأموال الريعية التي تسافر في كل مكان ، لأنها لم تجد استثماراً في داخل البلاد. وأسباب ذلك الغلاء كما يقال، هو جشع تجار الأراضي؛ فمن أعطاهم كل تلك الأراضي؟أما القطارات، فهي العمود الرئيس لاقتصاد كثير من التجمعات البشرية الأوروبية منذ اختراعها ، وإلى الوقت الحاضر. وبالرغم من أن هناك وسائل أخرى نافست القطار في سرعتها وسهولة التنقل بها كالسيارة والطائرة، إلا أن القطار بقي يحتل المركز الأول في نقل البضائع، وكذلك في التنقل الآمن بين محطاته المتعددة، خاصة في داخل البلد الواحد، وبين المدن وضواحيها المتبعثرة في جهات متباعدة حولها. بل إن عدداً كبيراً ممن يعملون في المدن، أو يدرسون فيها حالياً يقطنون في أماكن بعيدة عن مواقع عملهم، ويستخدم أغلبهم القطارات في تنقلاتهم، وفي إجازاتهم ؛ فالقضية ثقافية بالإضافة إلى بعدها الاقتصادي والأمني والاجتماعي. فسأل صاحبي مرة أخرى : ما دام كل من النهر والقطار يمثل عصب الحياة لديهم، فما الذي يقابلهما لدينا؟ قلت له: هنا مربط الفرس! أنت اثبت أولاً أن لحياتنا عصبا، حتى تبحث عن تسمية من يقوم بدور في تغذية العصب! لقرون طويلة، نعم كان لدينا ذلك العصب وعماد الحياة في شبه الجزيرة العربية ، حيث كان الجمل يقوم بذلك الدور الحيوي للناس. لكننا في العصر الحاضر، لم يعد لنا هيكل واضح يمكن أن نتعرف من خلاله على العصب. نتقلب هنا وهناك، تارة نريد تقليد الآخرين الذين تقدموا علينا في مشوار الحضارة، وأخرى نعتقد بأن لنا خصوصية، علينا ألا نفرط فيها، وتقليعات أخرى كثيرة . فالصدف يا صاحبي هي ما يحكم سير حياتنا ؛ أما التخطيط لها، واعتماد البنى التحتية الاستراتيجية ، فهي لدينا من ضرب الخيال. واللجوء إليها يعد من قلة التوكل والإيمان بالقدر خيره وشره، أو يجعلنا نفكر فيما لا يعلمه إلا علام الغيوب.  خذ أمثلة بسيطة على افتقادنا إلى التخطيط السليم والبعيد المدى من خلال حالات لوحات السيارات مثلاً ، أو إصدار البطاقات الشخصية من إدارات الأحوال المدنية، أو الإسكان. ففي حالات اللوحات كانت السيارات ترقم على أساس المناطق، ثم حولت إلى ترقيم عام متسلسل للسعودية، ثم عادوا إلى التصنيف من جديد بأرقام وحروف عربية، ثم اكتشفوا أن دولاً أخرى تذهب إليها السيارات السعودية لا تقبل أن تكون بأرقام وحروف غير مقروءة بالنسبة إليها، فأدخلوا الحروف اللاتينية. وفي حالات بطاقات الأحوال أصبحت تصدر في كل نسخة بشكل من الأشكال، مرة بصورة ملونة، وبعدها بصورة غير ملونة؛ مرة يكون انتهاؤها بعد خمس سنوات، وأحياناً عشر سنوات، ثم بعد صاحبة العشر تصدر نسخة أخرى مدتها خمس سنوات. ولا يكون في كل تلك الإصدارات وضوح في الأسباب أو دراسة سابقة قبل الإصدار، لكي لا يكون العمل متسرعاً، ثم يكون متقلباً لا ينبئ عن عمل تصدره مؤسسات ذات خبرة طويلة. ما زلنا نتخبط في إحداث وحدات سكنية مناسبة لمئات الآلاف من الشباب المقبلين على العمل، أو الحديثي الزواج، ومثلهم من العائلات التي تعاني من مشكلات الغلاء الفاحش في أسعار العقارات؛ ونحن في بلد يفترض ألا يكون فيه أزمة إسكان، لقلة عدد السكان واتساع الأراضي ووفرة الأموال الريعية التي تسافر في كل مكان ، لأنها لم تجد استثماراً في داخل البلاد. وأسباب ذلك الغلاء كما يقال، هو جشع تجار الأراضي؛ فمن أعطاهم كل تلك الأراضي؟فهل لحياتنا عصب يا صاحبي، بل هل لعصبنا حياة أيها الرفيق المتفائل؟ إن عرفت الإجابة عن سؤالي فأجبني، لكي أجيب عن سؤالك المركب!