قنوات طائفية لا تستحق البث
رغم أن انتشار الفضائيات وتكاثرها كان يفترض أن يكون ظاهرة صحية تعكس الوعي الاجتماعي وتطور أدوات المعرفة والمنابر التي ترتقي بعقلية الجماهير وتشكيل الرأي العام، إلا أنها أصبحت وبالا وأصبحت وسائل لتدمير العقل العربي وتشويه التناقضات التي كان ينبغي أن تكون مصدرا للإلهام وتحفيز الطاقات الاجتماعية وعكس حيوية للحراك داخل المجتمعات في كل المجالات الفكرية والثقافية والعقدية والمذهبية بحيث يصل الجميع الى توافق على الثوابت واحترام الاختلاف في المتغيرات، وذلك يرجع للعقلية التي تدير وسائل الإعلام وتجعلها منابر للصراع وتعمّد الإثارة غير المهنية التي تنتهي بنا مثل النهايات التي أوصلتنا لها حاليا من تعميق للفوارق وتأسيس تمايز بين المكونات الاجتماعية وتأصيل الاختلاف وتصنيف الناس دون موضوعية على أساسه.عشرات القنوات التي وجدت طريقها لخطاب الناس بخطاب إعلامي رديء وليس أقل ما يوصف به أنه «سخيف» وغير منهجي ولا علاقة له بضوابط وآداب المهنة الإعلامية ورسالتها المعرفية والتنويرية، فبدلا من أن تكون تلك القنوات جزءا من الحل لمشكلات الوعي العربي أصبحت جوهر المشكلة، وأسألكم: ما الذي أضافته تلك القنوات التي تستدعي ضيوفا بوزن الريشة في المجال الديني والاجتماعي ليتحدثوا حديث العلماء ويبدوا آراءهم في كل صغيرة وكبيرة، الى جانب استضافة كل من هب ودب ليقدم نفسه على أنه فقيه أو خبير أو محلل أو ناشط أو حتى عالم، فهذه صفات مجانية تلبسها تلك القنوات لضيوفها في محاور كبيرة وعميقة يضفون عليها تبسيطا واستسهالا يربك كل من يسمعهم ولا يضيف اليهم شيئا غير تعكير قناعاتهم وخياراتهم. فما قيمة قناة تعزز القبلية أو الطائفية أو تبحث في تفاصيل عقدية للآخرين لتتناولها من أبعاد تعيب تلك العقائد ولا تقيم الحجج عليها، ذلك لأنها تبحث في الواقع عن الإثارة وبيع الكلام والثرثرة الفارغة التي تعبئ ساعات البث، وبعض تلك القنوات مليء بالرويبضة الذين يتحدثون في كل شيء وكأنهم يعلمون كل شيء ويتقمصون دور العلماء في الحقيقة هنا أتساءل عن مصادر تمويل مثل هذه القنوات التي لا يوجد بها إعلان واحد كيف تستطيع أن تعمل وتدفع مصاريف البث والنقل المباشر ورواتب لموظفيها ؟ من يمول هذه القنوات يهدف لنشر ثقافة معينة في المجتمع هي «الطائفية» فالبث الفضائي بلا ضابط يسمح لكثيرين من ضعفاء النفوس بأن تتناول قضايا حساسة تتطلب الرأي العلمي الأصيل القائم على دراسات عميقة وآراء سديدة لا يفتي فيها أي شخص أو يتحمل وزر رأي يغير قناعات المتلقين الى الأسوأ، فما قيمة قناة تعزز القبلية أو الطائفية أو تبحث في تفاصيل عقدية للآخرين لتتناولها من أبعاد تعيب تلك العقائد ولا تقيم الحجج عليها، ذلك لأنها تبحث في الواقع عن الإثارة وبيع الكلام والثرثرة الفارغة التي تعبئ ساعات البث، وبعض تلك القنوات مليء بالرويبضة الذين يتحدثون في كل شيء وكأنهم يعلمون كل شيء ويتقمصون دور العلماء ويحفظون نصا من هنا أو هناك أو مآثر للسابقين ليرونها في البرامج التي تستضيفهم ويضيفون عليها ما يرونه من الكلام الذي يستفز المشاعر ويلهب الحماسة للكراهية والتنابذ.تلك القنوات يجب أن تجد طريقا الى الموضوعية أو تتوقف أو يتم إيقافها، فترخيصها أرخص منها، وذلك ما جعل من يملكونها يجدون سهولة كبيرة في إطلاقها، ولأنها تصنف كوسائل إعلامية فإنه لابد أن يكون لها تأثير بصورة ما على من يشاهدونها، لذلك هناك حاجة ماسة لتشريع نظام يضبط أداء تلك القنوات ولا يطلق قيادها لتخريب توجهات المجتمعات والسلطات السياسية، فهي تهدم ما يتم بناؤه من لحمة للنسيج الاجتماعي، وحوارها غير هادف وليس جادا ولا موضوعيا ولا يلتمس آداب الحوار التي ترد في أدبياتنا الإسلامية وقيمنا الاجتماعية.