هناء مكي

« ثروة الشباب»

تحدث تقرير صندوق النقد الدولي عن تفاؤل بمؤشرات نمو تأتي تباعاً بعد سنوات عجاف، قد لا تكون حقيقة دامغة، فليس هناك إرهاصات تدلل على انتعاش قريب لا سيما في ظل تعقد الوضع بالشرق الأوسط، حين نعلم أن العالم بات قرية واحدة، بعد سنوات من السير نحو توحيد العالم بالمفهوم العلماني.وإذا بالقرية الصغيرة هذه يهتز جنوبها بما يجري بمحل صغير يقع في شمالها، يبدو لي وصف دقيق بعد انهيارات تسببت فيها الأزمة الائتمانية التي كبرت ككرة ثلج طافت العالم كله في غضون عام، ولا يزال العالم يعاني من ضررها.وفي محاولته للتخفيف من علو التوقعات وانخفاض التشاؤم جاء تقرير صندوق النقد الدولي حذراً في انتقاء الإشارات الايجابية والسلبية لتوصيف ما سيكون عليه حال الاقتصاديات الراكدة، من القول بتوقعات «بانتعاشات محدودة في النمو، وانحسار لمخاطر الأزمة (الائتمانية) رغم أن مخاطر التطورات السلبية لا تزال كبيرة» !!.أجل فاجأت الثورات العربية «مرصد» صندوق النقد كما فاجأتنا، ما أوقعه في معادلة سماها «ارتفاع درجة عدم اليقين» التي أشارت لها مديرة عام صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد في كلمتها بدافوس يناير الماضي.فالمعالجات للوضع الاقتصادي بالتقرير ركز على عمليات الإصلاح، بالطبع فإن الوضع الآمن للدولة وقاعدة الاستقرار فيها مؤشران لجذب رؤوس الأموال (الجبانة) التي تبحث عن بقعة آمنة تستوطنها.غير أن لاغارد أشارت في كلمتها تلك إلى نقطة أؤيدها فيها، سمته الجيل الجديد وسميته «ثروة الشباب»، فقالت هو:»جيل فُطم على التحرك العاجل، والديمقراطية، ووسائط التواصل الاجتماعي»، وربطت نجاح المستقبل الاقتصادي بثلاث قيم يؤمن بها الجيل الجديد، وهي: «زيادة الانفتاح» التي يتمتع بها إذ يعزز مكسب التوحد العالمي بديلاً عن الوطنية الضيقة، والتكاتف الدولي منطلق من هذا المبدأ، والثانية «إدماج القوى» فالعالم الملتحم يقوم على المشاركة ويفرض أخلاقيات التسامح والاحترام والعدالة للجميع، وهي قيمة تصحح مفهوم الاقتصاد لتحقيق الرخاء الاجتماعي والنمو الشامل ، أما الثالثة «تحسين المساءلة» وهو مطلب الجيل الجديد تحت مصطلح الشفافية والحوكمة، وأنقل ما قالته نصاً «حسبنا أن ننظر إلى دور تكنولوجيا المعلومات في فرض التغيير، فقوة المواطن التي نقلتها وسائط التواصل الاجتماعي هي العامل الذي أطلق شرارة التحول في الشرق الأوسط، وفرض ضغوطات على صناع السياسات الأمريكيين للتوصل إلى حل توافقي بشأن المنحدر المالي...».نلتقي في هذا الطموح الذي يُعلّي سقف الأمنيات الحقيقية، فالشباب الصاعد اليوم في كل العالم سواء كان العالم المتقدم أو القديم، هو شباب واع متسلح بالمعرفة، ولد مع السياسات التقليدية التي لم تعد ترضيه، يحارب النمطية، ويطالب بحقه، ويبتكر أدوات المطالبة وأدوات إثبات الذات، وهو صانع السياسات القادم فلندخره لخير البلاد.