خل عنك بس .. لازمة السعوديين الأشهر
يتملكني الضحك كلما تذكرت قصة ذكرها لي صديق عن بعض معارفه الذي كان طوافاً في عدد من بلدان الشرق، دون أن يملك ثقافة سفر، أو معرفة بثقافة البلدان التي يزورها أو حتى المعارف العامة المتعلقة بنظام السياحة والفندقة العالميين. إذ يقول إن ذلك العرّيف كان قد تناول غداءه في الفندق الذي وصله لتوه في أحد بلدان الشرق الآسيوي، ثم ذهب ليطوف بمرافق الفندق الفخم، ممسكاً عود الأسنان في يده، لينظف ما علق بأسنانه من الطعام أثناء تجواله للتعرف على الفعاليات الممكنة في ذلك اليوم، والمساء على وجه الخصوص. ومع ضعف ثقافته الموسيقية، وجدوا وهم يتجولون (هو ورفاقه) عازفاً للبيانو، يعزف في إحدى ردهات الفندق. وعندما طلب منه أحد الرفاق التوقف لسماع العزف، التفت إليه، وهو يخلل أسنانه، وقال : «خل عنك بس، لو فيه خير كان جابوه في الليل، موب في العصر ...»! هذه الحالة ليست منفصلة عن ثقافة مجتمع بأكمله، وليست خاصة بذلك العرّيف، بل هي ظاهرة مستشرية في قطاعات متعددة من المجتمع، وعلى وجه الخصوص الفئات التي اعتادت الكسل، والتفرغ للمز الناس الذين يتميزون بشيء، لا يجيده أولئك المعلقون. وتكثر بدرجة كبيرة بين الشباب، الذين يدّعون أنهم يعرفون مصير كثير من الجهود، ويرون بالتالي أنه لا داعي إلى بذلها أو المحاولة في تحقيق ما يظنون بأنه مستحيل، أو قليل الشأن، منذ بداية التفكير به. أعرف أوضاعاً نفسية لبعض الشباب الطامحين، تدمي القلب، بسبب ما يتعرضون إليه من رفاقهم في المدرسة، أو الجامعة، أو مقر العمل، أو حتى في عمل تجاري خاص ومبادرات متعددة كان مصيرها الفشل بأثر من تلك المواقف، إلا إن كان الشاب أو الفتاة من ذوي القوة والثبات على المبادئ للوصول إلى أهدافهم. فمن تلك الحالات حكى لي أحد الشباب، أنه كان في المدرسة يعاني من إبراز أي قدرة، أو موهبة، بسبب وجود مجموعة كسولة متسلطة ذات ألسنة تكسر بها مجاديف بقية التلاميذ الذين يبذلون جهوداً متميزة، لكيلا يعجب بهم المدرسون، ويتضح كسل تلك المجموعة. يقول ذلك الشاب : تعودت أثناء فترة المدرسة على أن مسايرة المدرس المجتهد في الشرح والتوضيح يدخل في باب «المهايط»، ثم في الجامعة وجدت أن من يعترف للأستاذ بأنه قد وجد الكتب في المكتبة، ويأتي بالعمل المطلوب في وقته من «الفئة المدعية»، وأن ذلك وسيلة لنبذ أصحابها. وعندما هممت أنقلت له : نعم، هذا متوقع من مجتمع عاشت فئاته المختلفة على ثقافة : «الموت مع الجماعة رحمة»، و»أن الذئب يأكل من الغنم القاصية». وهذه المقولات، وإن كانت مفيدة في حالة الأزمات، وتحث على وحدة الكلمة، إلا أن تعميمها في كل أوضاع الحياة، وبقاء صلاحيتها في كل حالة، أمر مؤذٍ للتنميةأستغل وقت فراغي بالاشتغال في عمل خاص، قد أنجح فيه، ويدر علي مبالغ إضافية من المال، جاءتني ردود أفعال والدي : أها بس؛ وإخواني بين : «فاضي»! و»هين .. وش ظنك؟ أنت أشطر من غيرك»؟ قلت له : نعم، هذا متوقع من مجتمع عاشت فئاته المختلفة على ثقافة : «الموت مع الجماعة رحمة»، و»أن الذئب يأكل من الغنم القاصية». وهذه المقولات، وإن كانت مفيدة في حالة الأزمات، وتحث على وحدة الكلمة، إلا أن تعميمها في كل أوضاع الحياة، وبقاء صلاحيتها في كل حالة، أمر مؤذٍ للتنمية، ومعوق للإبداع الفردي الذي لا يمكن أن ينمو في ظل مثل هذه القناعات، بأن على الفرد أن يعمل ما يعمله الآخرون، وألا يأتي بأشياء لم تعتدها بيئته. وهذا يحدث في البيئات المحافظة والتقليدية، لأنها تحفظ أشياء محدودة، وتطلب من الأجيال المختلفة ألا تتجاوزها، لكي تبقى قيمها التي ورثتها عن الأجداد قائمة ومتصلة بتاريخها الثقافي والمهني. وأردفت قائلاً : كنت أسمع وأنا صغير خطيب الجمعة يردد في نهاية الخطبة، وقبل أن يختمها : «إن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار .. وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». فسألت أحد المدرسين الذي ما زلت أكن له كثيراً من التقدير عن مضمون ذلك التحذير، فعلّق بعبارة تناسب عمري : «اسمع لهم في الدين، وإذا خرجت من المسجد، فعش حياتك»! وبدوري أضيف إلى نصيحة ذلك المدرس : «احذرهم أن يفتنوك عن حياتك .. فكثير من المتدينين والتقليديين لا يتوقفون عند الحد الذي يحذرون منه، أو يثبطون فيه»! وعندما شاهدت زملاءه ينتظرونه، مستثقلين دمه، أن يكون أمضى هذا الوقت مع أستاذه، قلت : الحق بهم، فالمؤكد أنهم الآن يقولون : خل عنك فلان بس!