د.فالح العجمي

فوضى الأفكار والمبالغات والنفاق

سألني أحدهم: ما سر الإخفاقات المتوالية لكرة القدم السعودية وبرامج الرياضة بشكل عام، بالرغم من أننا نستثمر فيها جهوداً كبيرة وأموالاً طائلة، ويساند ذلك اهتمام شعبي بمتابعتها؟ قلت له: أولاً هذا جزء من منظومة إخفاقاتنا في مجالات متعددة، ليس في الرياضة فحسب، بسبب عدم إيماننا بأن لكل الأمور تقاليدها المرعية وشروط تحققها الضرورية؛ فنقوم بعنتريات واجتهادات شخصية. فكل مسؤول مهما كان حجم مسؤوليته ينطلق من الصفر، ويعتقد بأن عليه أن يحقق شيئاً مخالفاً كلياً لما صنعه من سبقه في الوظيفة أو من يماثله في الموقع في بلاد أخرى. مبدأ الخصوصية له عامل تبريري قوي في هذا المجال؛ فلو ذكرت لأحدهم بأن الناس في الدنيا كلها يتبعون الخطوات الرئيسة التالية في إنجاز هذا الأمر، لقال: نحن نختلف عن العالم، وهذه من الطرق المختصرة للوصول إلى الهدف قبل من سبقك في الزمن؟ ويجري عندنا هذا المبدأ في العمل العام وفي اختيار الأشخاص لمواقع قيادية، بل وفي أمور التجارة، التي يعتقد بنجاح من يتميز في الأفكار غير المجربة فيها. فأذكر أن أحد من كلفوا بالبحث عن شخص كفء يدير موقعاً علمياً عاماً قد سألني أن أرشح له اسماً يكون لامعاً وأجنبياً معروفاً يضفي على الموقع إشعاعاً (كما عبر هو نفسه)، ويكون دمثاً، ومجرباً للعمل في بيئة الخليج، إلخ تلك الصفات التعجيزية. ذكرت له اسماً، وأنا أتنبأ بأن لا ينجح الخليط (من يدير ومن يدار)، لاختلاف الرؤى والأهداف، وفعلا لم تستمر التجربة لأكثر من سنتين، وكنت أعرف الأسباب، وقد شعرت بتأنيب الضمير على عدم اعتذاري عن القيام بمهمة الترشيح.سأورد لكم مثالاً مما يدرسه عندنا طلاب السنة التحضيرية (في جامعة الملك سعود) عن ريادة الأعمال: أسئلة تتعلق بمن هو أتجر قريش، وكيف كسب أبو بكر أو عثمان بن عفان ثروته، ونظرية عبد الرحمن بن عوف بعد هجرته إلى المدينة، عندما قال: «دلوني على السوق»! فهل الأمر الذي يصلح في ذلك العصر مناسب لعصور أخرى.فإذاً كل ما يتعلق بأولاً، أننا غير مهيئين لأن ندرس تجارب الآخرين، وننطلق من التجارب الناجحة منها، كما يعمل كثير من القياديين في العالم الثالث، وكما تنص أغلب نظريات التنمية الاقتصادية والسياسية. ولنا في الإمارات على وجه الخصوص العبرة في كثير من مشاريعهم وخططهم التي يستشيرون فيها أصحاب الخبرة الناجحين، ثم يختارون الأنسب من بين ما يطرح عليهم من خيارات. أما نحن فإننا نفكر في المردود الشخصي، وقد تكون للعمولات دور في تقرير الطريق الذي تسير فيه المشاريع. وسأورد لكم مثالاً مما يدرسه عندنا طلاب السنة التحضيرية (في جامعة الملك سعود) عن ريادة الأعمال: أسئلة تتعلق بمن هو أتجر قريش، وكيف كسب أبو بكر أو عثمان بن عفان ثروته، ونظرية عبد الرحمن بن عوف بعد هجرته إلى المدينة، عندما قال: «دلوني على السوق»! فهل الأمر الذي يصلح في ذلك العصر مناسب لعصور أخرى، خاصة أنه شأن يتعلق بتجارة أو أعمال حرة، وليس بتراث الأجداد، أو فقه الحلال والحرام. أما ثانياً، فيتمثل في كون بيئة الرياضة عندنا (سواء في المواقع الإدارية والأندية، أو في الإعلام والصناعة المرتبطة بالرياضة في القطاع الخاص) مليئة بالفوضى، والمجاملات التي تصل إلى حد النفاق. فقد اطلعت في جريدة محلية على تقرير أعده صحفي متمرس، ومطلع على شؤون الرياضة وتطوراتها، ومع ذلك وجدته قد عنونه بمانشيت غير دقيق، بل ومضحك للآخرين خارج الوطن: «نواف ينقل الرياضة السعودية لفضاء العالمية بتسع وخمسين مادة أضافت القوة للإبداع». فأمير الرياضة الشاب المتواضع لا يرضى أصلاً بأن تقال عنه هذه المبالغات، والتي حتى تسيء إليه شخصياً وإلى الرياضة السعودية، بأنه يديرها شخص واحد، وليست مؤسسات متخصصة تدرس الأوضاع وتطرح المناسب من القرارات حيالها؛ خاصة أن الأمر متعلق بلوائح جديدة للاتحادات الرياضية. فلا بد والحالة هذه أن كل اتحاد قد قدم مقترحاته بشأن تنظيم اللعبة التي يعنى بشأنها، وفقاً للترتيبات العالمية والقوانين العالمية فيها، وما يحتاج إليه من تنظيم داخل السعودية. ولم يكتف هذا التقرير بهذا الادعاء الفج غير المناسب، بل أضاف: « ... الأمير نواف بن فيصل الذي وضع بصمته الأولى في تحويل اتحاد الكرة السعودي، وهو الأشهر إلى اتحاد منتخب كلياً». ألا يعرف هذا الصحفي المتمرس أن هذا مطلب ملح من الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، ودون تحقيقه ستمنع مشاركات السعودية في المسابقات الدولية؟ وأنا متأكد أن الأمير نواف ليس بحاجة إلى أن يجير له ما ليس صادراً منه! فهل عرفت بعضاً من السر؟