د. فالح العجمي

التمرد الذي لم يعهده السعوديون

تشتكي كثير من الأسر من تمرد أبنائها وبناتها في جيل الألفية الجديدة على قيم الأسرة والمجتمع، وكثير من المسلمات التي اعتادت الأجيال السابقة قبولها بشكل مطلق. فهذا الجيل لا يريد أن يستعير المعايير من مراحل تاريخية سابقة، بل يستمد معياريته من ذاته. فالسمع والطاعة اللذان كانا يسيطران على أنساق المعايير في أجيال متعاقبة من مجتمعات شبه الجزيرة العربية لم يعد لهما مكان مميز في منظومة القيم لدى الشباب، أو لم يعد لهما أي مكان في بعض الحالات لديهم. فقد ولى وقت يرى الشاب فيه رغبة الأهل فيما يدرسه من تخصصات أو فيما يلبسه أو حتى فيما يسمع أو يرى من مواد الترفيه، وفيمن يماشي من الأصحاب. وكذلك ذبلت سلطة الأهل على الفتاة، التي أصبحت ترى في قريناتها أو فيما تشاهده على قنوات التواصل المتعددة القدوة في الاتباع أكثر مما يراه أو يقوله الأهل عن معايير التربية والسلوك، أو عن اختيار الزوج، وتوقيت الزواج، إلى غير ذلك من المتطلبات التي أصبحت تحكمها المعايير المعولمة، وتصنع بذرة التمرد على كل الأنماط التقليدية أو السائدة. ومن أجل معرفة مصادر ذلك التمرد في الأسرة النواة، لا بد من الالتفات إلى ما وقع من تغير في جوهر التفكير في الأجيال الحالية التي يستمد منها الشباب والشابات أنساقهم السلوكية.نعرف أن كثيراً من المتغيرات قد جدت على طريقة التعامل واستخدامات الخطاب في المجتمع الحديث؛ سواء تعلق الأمر بتعاملات الأقران والمجايلين بعضهم مع بعض، أو بتعاملات بين أناس مختلفين في الأعمار والمواقع والثقافة. ففي تعاملات الأقران نجد صنفين من الأطر الشائعة: أحدهما يتبسط كثيراً ويلغي الرسميات مطلقاً، فيستخدم عبارات مثل: يا عزيزي، يا عيوني، يا روحي، يا حبيبي أو يا حبيبتي؛ والآخر لا يقدم أي أداة تخاطب، فيدخل في الموضوع بجلافة أحياناً، أو بضمير المخاطب المفرد (أنت) مهما كانت درجة أو سن من يخاطبه، أو باستخدام الاسم الأول مجرداً إذا كان في دائرة رسمية.معلوم أن كبار السن وأغلب التقليديين يحرصون على إضفاء طابع العلاقة الشخصية على كل مخاطبة في عبارات مثل: يا ولدي .. إذا كان المخاطب رجلاً، ويبدو أصغر سناً، أو يا بنتي إذا كانت أنثى، وتبدو أصغر من المتكلم. وذلك بغرض استدعاء شعور العاطفة الأبوية في العلاقة مع المشتركين معه في التواصل. كما يوحي هذا الأسلوب بالإيحاء اللاواعي أن لديه من التجارب في الحياة ما يفيد به الآخرين. ولو خاطبت أحد من يستخدم تلك الأساليب عن أسباب اختياره، لأجاب بتلك الكليشة غير المهذبة وغير الدقيقة عما يفعله الشباب: عادي، أو: وش فيها؟ أما إن نصحت أحداً منهم بأن يترفق في تخاطبه مع من يكبره سناً، ويحترم مقامه، فإن نظرات الشك، وربما عبارات الشفقة ستلاحقك، من نوع: وش يحس فيه ذا؟ ومعلوم أن كبار السن وأغلب التقليديين يحرصون على إضفاء طابع العلاقة الشخصية على كل مخاطبة في عبارات مثل: يا ولدي .. إذا كان المخاطب رجلاً، ويبدو أصغر سناً، أو يا بنتي إذا كانت أنثى، وتبدو أصغر من المتكلم. وذلك بغرض استدعاء شعور العاطفة الأبوية في العلاقة مع المشتركين معه في التواصل. كما يوحي هذا الأسلوب بالإيحاء اللاواعي أن لديه من التجارب في الحياة ما يفيد به الآخرين. ويرغبون في المقابل أن يخاطبهم من يصغرهم سناً بعبارات فيها تبجيل، وارتباط اجتماعي من مثل: يا عمي، يا شيخ فلان ...إلخ؛ أو بالكنية وما أشبهها مما يبعده عن التساوي مع الشباب أو صغار السن.لكننا في الفضاء العام، نجد كثيراً من الموظفين الشباب قد اعتادوا على مناداة أصحاب المعاملات بأسمائهم الأولى دون ألقاب أو تفريق بين مختلف أولئك الناس حسب أعمارهم. وكثير من كبار السن يأنفون من أن يناديهم شباب بأعمار أولادهم دون توقير، وأن عدم تضمن أسلوب الخطاب الأدوات الرابطة بينه وبين من يدعوه، يشعره باستبعاد أو عدم احترام لموقعه أو كبر سنه. كما أن العربية لا تحتوي ألقاباً محايدة للتعامل الرسمي، مثلما هي الحال في عدد من لغات العالم. ففي اللغات الأوروبية على سبيل المثال نجد مستويات متعددة للخطاب، تقوم على موقع المخاطب وسنه. وكذلك الأمر في التركية، التي بقيت منها تلك الألقاب في الدارجة المصرية. واحتواء العبارات الموجهة إلى كبار السن على مضامين يمكن أن تفسر بأنها أوامر وتقنين تزعجهم كثيراً؛ فقد ذكرت بعض الدراسات أن استخدام الممرضات عبارات مثل: "حان وقت النوم"؛ "يجب الاعتناء بالمظهر"؛ "تناول العلاج ضروري" ... إلخ، في المستشفيات مع كبار السن توحي لهم بنقص التقدير، وتشعرهم بالانكسار. وربما تؤدي بهم إلى فقدان الشعور بمتعة الحياة.