عربستان وإسلامستان ؟
كنت أقود سيارتي قبل أيام وأمامي سيارة شحن ضخمة بها حمولة من الرمل، غير العادي في الأمر ان على جدران الصندوق الحديدي الخارجية للشاحنة كُتب بخط كبير احتل الحيز كله «وزيرستان»، وهذا أمر يتكرر بصور متعددة، ما أصاب منطقتنا العربية من وباء تفتيت مناطقنا إلى عربستانات وإسلامستانات يبدو أنه مستمر ويتسع نطاقه! البعض يستحسن ذلك ويتفاعل معه، بل وقد من يقاتل من أجله، والبعض يقول: هناك مؤامرة؟ والبعض يقول: هي لحظة يسود فيها الاقتتال ثم ما تلبث أن تتمخض عن خير عقب أن يحظ الغبار أوزاره ؟! وستجد مدارس وتبريرات تخلط بين منطق القوة وقوة المنطق بكميات متفاوتة.في الأسبوع الماضي سنحت لي الفرصة زيارة متحف العلوم الإسلامية في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، وأخذنا في جولة على بعض محتويات المتحف شاب سعودي متخصص في التاريخ، وبدأ الجولة بخارطة الادريسي، ثم مررنا إلى أن وصلنا لخارطة «ذكية» بينت كيف بدأ الرسول (صلى الله عليه وسلم) الدولة الاسلامية وكيف اتسعت من بعده حتى وصلت مداها غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، وذكرنا المؤرخ الشاب بأن امتداد الدولة الاسلامية شرقاً كان في مجمله عبر العلاقات خصوصا العلاقات التجارية للأفراد، وبعد هذه النشوة المستعادة أتت الحقائق اللاحقة : كيف انكفأت الدولة وتفتت وتفككت فطمع فيها الطامعون فقطعوها تقطيع السباع للفريسة، وتكرر ذلك المشهد المؤلم مراراً فقبل قرن من الآن كانت أم الحبائل البريطانية-الفرنسية تحاك ضد أبائنا وأجدادنا وأراضينا وثرواتنا!واستمرت حالة التأرجح العاطفي عندما عرض المؤرخ أمام أنظارنا خارطة زمنية تَسلسلت فيها عبر خط الزمن اكتشافات واختراعات وابداعات العلماء المسلمين منذ بدايات الدولة الاسلامية؛ فوجدنا نقاطها تكاثرت في حقب وخبت وقلت في أخرى، ولك أن تستنتج أن فترات النشاط والخبو كانت متلازمة مع قوة الدولة وضعفها على الترتيب.لنتصور أن فيروس عربستان الذي أخذ يتقوى ويتلون ليتمكن من الجسد العربي قد اشتد نشاطه وحور سمته، وأنتج فيروسا أعتى ليفتت المنطقة الاسلامية، وتمكن الفيروس منها ليخرب كل بيت جاره بيده، فيفتت المنطقة ليجعلها مقاطعات ثم تتفتت لكنتونات متصارعة يفرقها التباغض والكره والحقد، فإذا كان سايس-بيكو قد اختطف منا قرناً من الزمن فنت فيه أعمار وأموال وأرسل آنئذ قوات لتحتل وتنتدب، فها هي النسخة الجهنمية المطورة أكثر فتكاً؛ فهي في طريقها لاختطاف قرنٍ آخر تتفتت فيه البلدان فوق ما تفتت عبر قرن، لتضعف فوق ما ضعفت عبر قرن، ولتتحارب فيما بينها لمئة عام قادمة كل يظن ان ما يفعله هو الحق وكأن ليس لنا في أحداث التاريخ عِبرّ.