د.إحسان علي بوحليقة

اقتصاد السعادة

حدثتكم طويلاً عن اقتصاد «الهم والغم» لكن للسعادة اقتصاداً كذلك، ولعل الاسم الأصح هو «اقتصاد الرضا»، وليس المقصود بالرضا هنا الاستكانة السلبية بل عدم اليأس والوقوع في الإحباط، أي بقاء الأمل والعمل بأن القادم أفضل. واقتصاديات السعودة لا تقيس الثروة بل المنفعة منها، باعتبار أن الثراء ليس هدفاً نهائياً بل تحقيق السعادة والرضا.

ولو تمعنا قليلاً نجد أنه هو أعلى مقامات الصبر، وسنجد أن «اقتصاد الرضا» يعني المبادرة والإصرار على النجاح لتحقيق الذات والأهداف العالية بروح إيجابية يغلفها الأمل ويدفعها الطموح للإنتاج والإنجاز وإدراك أن الصعوبات والمعوقات لم تبرح مكابدة الإنسان منذ خلقه. أما اقتصاد «الهم والغم» فهو قائم على التصدي للمشاكل والتدخل لحلها، ومن أعمدته الاقتصادي الشهير «كينز» الذي يرى أن من واجبات الحكومة –أي حكومة- استخدام مواردها المالية للتعامل مع المشاكل الاقتصادية مثل الكساد أو البطالة أو التضخم.  لكن الفكر الاقتصادي تطور كثيراً وأتت مدارس اقتصادية تجاوزت فكر كينز.   وبالقطع فإن دور الحكومة الاجتماعي-الاقتصادي أساسي في كل بلد، فالحكومة تقوم بمجموعة من المهام حماية ونيابة عن المجتمع، وهذا أمر ستجده في كل الحكومات رغم تفاوت مشاربها ومناهجها وعقائدها؛ تجدها في الحكومات الرأسمالية التي تمول أنشطتها من جمع الضرائب والرسوم كما تجدها في الحكومات التي تمول أنشطتها من العوائد الريعية لاستخراج وبيع الموارد الطبيعية والخام. ورغم تغلغل أفكار «كينز» في الكثير من جنبات الفكر الاقتصادي والمالي والنقدي لدينا، باعتبار أن الحكومة تضع خطة وتمولها وتنفذها، وفي نفس الوقت تتدخل لتعدل من سياساتها الاجتماعية-الاقتصادية حسب الأوضاع، فنجدها تتدخل في أسواق السلع والخدمات وسوق العمل، بل هي الموظف الأول في العديد من القطاعات ومنشآتها الملبي الأكبر من الطلب في سوق على خدمات أساسية مثل التعليم والصحة والخدمات البلدية والاجتماعية والشخصية.. وبذلك تتحمل مسئوليات عظيمة في تلك الأسواق لتقدم الخدمة من جهة وفي نفس الوقت لتضبط الأسواق وتراقبها من جهة أخرى؛ خذ مثلاً سوق الطيران المدني الذي تراقبه وتنظمه من خلال هيئة حكومية متخصصة وفي نفس الوقت تقدم خدمات الطيران المدني عبر مؤسسة حكومية، والأمر ليس بعيداً عن ذلك في الاتصالات والكهرباء والماء وبقية المنافع. وهذا الدور الواسع والمتغلغل يأتي بتبعات منها المسئولية توافر الخدمة أو جودتها النوعية. ويأتي كذلك بالمسئولية للتعامل مع المشاكل الاقتصادية مثل البطالة.   أما دور الحكومة في اقتصاد السعادة فمختلف؛ يقوم أساساً على إعادة التوزيع والعمل حثيثاً للارتقاء بنوعية حياة الفرد. وهكذا يكون للفرد دور أكبر في السعي لتحقيق ذاته بالعمل والإنتاج رغبة في الوصول إلى الرضا، والرضا هدف يأتي بعد تحقيق الاكتفاء المالي والاستقرار الاجتماعي، يتطلب طموحاً وصبراً ومجالدة مع الذات أولاً.