د.إحسان علي بوحليقة

مزاحمة المبتعثين

«شرف» مواطن جامعي عمل سنوات بجد واجتهاد قبل أن يحصل على بعثة ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين، وعاد بالماجستير من جامعة في امريكا الشمالية وأخذ يبحث عن عمل .. شأنه شأن آلاف ممن عادوا من البعثات، السؤال : هل الفكرة من برنامج الابتعاث مجرد التعليم بلغات مختلفة وفي جامعات منوعة ومن باب تعريف شبابنا وفتياتنا ببلاد أخرى وأجوائها وطبائع أهلها ؟ أم كان الهدف الأساس هو ردم الفجوة التي طالما تحدث عنها مجتمعنا لعقود وهي المقولة الانطباعية ونصها : «عدم مواءمة مخرجات التعليم العالي لمتطلبات سوق العمل»، وأصدقكم القول: إني لست ممن يؤمن بهذههل الفكرة من برنامج الابتعاث مجرد التعليم بلغات مختلفة وفي جامعات منوعة ومن باب تعريف شبابنا وفتياتنا ببلاد أخرى وأجوائها وطبائع أهلها؟المقولة المعلبة فهي بحاجة لاثبات، هل واءمت الجامعات في الهند والسند وبلاد الغال وسواها بين مخرجات التعليم لديها ومتطلبات سوق العمل لدينا؟ لن أطيل في قضية المواءمة هذه، بل أعود لشرف وزملائه ممن عادوا من البعثة لأقول: إنه كان مؤملاً أن يوقع كل منهم عقد عمل قبل أن يعود بشهادته للمملكة، وليس هناك ما يمنع أن تسعى المنشآت السعودية في القطاعات الحكومية والخاصة وشبه الحكومية لاستقطاب المبرزين منهم بعد أن يجتازوا السنة الثانية الجامعية فتوجههم ليعملوا لديها حال تخرجهم، ثم إن موضوع أن يبقى بعض خريجي الجامعات الغربية العريقة يبحثون لأشهر عن عمل يبين أن القضية ليست عدم مواءمة بل هي أقرب للـ «مزاحمة».. مزاحمة المواطن الباحث، فمن يبحث عن عمل لا يجد نفسه عملة «نادرة» بل يبقى على «حافز» أشهراً ويقدم سيرته الكترونياً وشخصياً ، بل والكثير يبحث عن واسطات عله يجد عملاً.. فعلى سبيل المثال اتصلت بي خريجة سعودية تقول : إنها وزميلات لها سيدفعن رسوماً لمكتب يقدم خدمات توظيف ليبحث لهن عن وظيفة، وأنه سيأخذ جزءاً من أتعابه مقدماً والباقي عندما يجد لهن عملاً يقبلنه! أما وجه الغرابة فهو أن الممارسات المستقرة في هذا المجال أن مَنّ يبحث عن موظفين هو الذي يدفع أتعاباً وليس الباحث عن عمل. تلك الفتاة تخرجت في الخارج وبمعدل مرتفع، وقالت : إن عدداً من زميلاتها متفوقات كذلك! هذا أمر محبط لسبب واضح وهو أن مليارات الريالات غادرت الخزانة العامة لتعليم شرف وزملاء شرف والفتاة الخريجة وزميلاتها في أرقى جامعات العالم، وأن العائد الأهم لهذا الاستثمار يتحقق بأن نتلهف لتوظيف هؤلاء فور عودتهم من بعثاتهم، وختاماً، لعل أحدا من جماعة «عدم المواءمة» ينورنا كيف أن خريجي جامعاتنا غير مواءمين؟ وكيف أن خريجينا من جامعات آسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية والجنوبية أوروبا القديمة والجديدة كذلك غير مواءمين؟ وسأكون ممتناً لمن يحل هذا اللغز الأحجية والأحجية الطلسم .. ولعلها ليست كذلك في الحقيقة.