حسن السبع

مسلسل «ما أشبه الليلةَ بالبارحة» !

جنّة.. جنَّة.. ! لا يوجد، كما أظن، مسلسل تلفزيوني بهذا العنوان، كما لا يعني الحديث عن ثلاثة عقود مضت أن المشهد قد تغير إلى الأفضل، ففي هذا الواقع العجيب يمكنك دائما أن تردد: «ما أشبه الليلةَ بالبارحة»! كان المشهد، آنذاك بائسا: جدران متداعية، أنقاض بعضها فوق بعض، حرائق تلتهم اليابس والأخضر، دخان يجعل النهارَ ليلاً أَلْيَل، فوضى تتسكع في الطرقات، شلل في البنية التحية، نازحون بالآلاف هربا من ذلك الجحيم، ولسان حالهم يردد قول الحارث بن عباد: «لم أكنْ من جُنَاتِها، عَلِمَ الله، وإني بنارها اليوم صالي». كانت وسائل الإعلام العالمية تنقل صوتا وصورة تلك الفوضى العارمة. وحده تلفزيون (جنونستان) يغرد خارج الواقع، فيبثّ تكذيباً لتلك «الافتراءات والإشاعات المغرضة» على شكل أغنية تقول: «جنّة.. جنّة.. يا وطنَّا «! أغنية جميلة، لكن من يستمع إليها وإلى الخطاب السائد في ظل ذلك الواقع البائس، لا يملك إلا أن يعجب من ذلك الانفصام أو التناقض بين لغة الخطاب العام والواقع! أليست أغنية عبد الحليم حافظ «نار يا حبيبي نار» أنسب من تلك الأغنية؟!

يا حَوْم اتبعْ.. قبل ثلاثة عقود أيضا، وما أشبه الليلةَ بالبارحة! كانت بعض البيانات العسكرية تبدأ بهذه العبارة الرنَّانة «يا حوْم اتْبَعْ لو جرَّينا». والحوْم هي الطيور الكاسرة الآكلة للحوم. وفي هذا دعوة مفتوحة لتلك الطيور كي تتبع ذلك الجيش الجرَّار لتقتات على جثث القتلى من جيش العدو.

الذين قرؤوا أو شاهدوا بعض قصص وأفلام الخيال عن الدمى المسحورة أو المسكونة أو الشريرة، كالدميتين (تشاكي) و(روبرت) وغيرهما، يمكنهم أن يتخيلوا أن الدمية لا تظل تؤدي دور الدمية إلى الأبد، فهي في تلك القصص الخيالية تتكلم وتتحرك وتتجول، وتقض مضاجع الآمنين، وتبث الرعب في نفوسهم. وإذا كانت تلك البيادق أو أحجار اللعبة دمى مسحورة، فقد ينقلب السحر على الساحر، عندما يفلت زمام تلك الدمى، فتخرج عن دائرة السيطرة، وتنقلب على صانعيها

طنطنة لا تجدها إلا في قاموس الشاعر عمرو بن كلثوم. لكن مُعدَ البيان العسكري، أو العنتري، نسي ذلك الالتزام، فأنهى بيانه بعبارة تناقض ما جاء في المقدمة، ومضمونها أن الجنود الأشاوس قد حولوا أجساد الأعداء إلى ركام متفحم تعافه الغربان. والغربان من الطيور التي وعدها البيان بوجبة فاخرة في قوله: «يا حوم اتْبَعْ لو جرَّينا».  يمكن فهم الغاية من وراء تلك العبارات الرنانة التي تحاول رفع المعنويات الهابطة، والضحك على «الذقون»، أما ما ليس مفهوما فهو الضحك على «أذيال» الطيور التي عادت من أرض المعركة وهي تتضور جوعا!  زمن الدمى المسحورة..يقال: «الغوغاء في الشارع والمحرضون بين الجدران»، نعم، إنهم دائما بين جدران الغرف والقاعات الأنيقة، فالبسطاء في الغالب هم وقود المعارك، وهم أحجار على رقعة الشطرنج يحركها المتلاعبون بالعقول والعواطف، لأنهم سريعو الانفعال والاشتعال. ويمكنك أن تشاهدهم يوميا على شاشات الفضائيات ملثَّمين يحملون في أيديهم أدوات الموت، وغالبا ما يصفهم خصومهم بدمى تصنعها وتحركها أيدٍ خفية، وأنهم يخوضون حروبا بالوكالة.لكن الذين قرؤوا أو شاهدوا بعض قصص وأفلام الخيال عن الدمى المسحورة أو المسكونة أو الشريرة، كالدميتين (تشاكي) و (روبرت) وغيرهما، يمكنهم أن يتخيلوا أن الدمية لا تظل تؤدي دور الدمية إلى الأبد، فهي في تلك القصص الخيالية تتكلم وتتحرك وتتجول، وتقض مضاجع الآمنين، وتبث الرعب في نفوسهم. وإذا كانت تلك البيادق أو أحجار اللعبة دمى مسحورة، فقد ينقلب السحر على الساحر، عندما يفلت زمام تلك الدمى، فتخرج عن دائرة السيطرة، وتنقلب على صانعيها، ومن ثمَّ تُردّ البضاعة إلى أصحابها الذين يصدق عليهم المثل القائل: «يداكَ أوْكتَا وفُوكَ نفخ»!