د. إحسان بوحليقة

حقيبتي في مطار دلهي..

قبل أيام كنت أعد العدة للسفر إلى دلهي.. مقصد الآباء والأجداد من قبلهم، فمن كان منهم يفوز برحلة لدلهي أو بومباي يكون قد أتى بما لم تستطعه الأوائل -كما يقول الشاعر-. ولا أنسى وأنا أمام كاونتر المغادرين في مطار الملك فهد بالدمام أني سلمتهم حقيبة الأمتعة ناظراً لها نظرة المودع، فلم أكن متيقنا: هل سأستلمها؟ وإن استلمتها فبأي حالة ستكون؟

 كنت أتصور مشهد سَير استلام الحقائب في مطار دلهي البطيء والمتهالك، وازدحام البشر حوله وتداخل أنفاسهم، وتصورت أعداداً من العمال يتنادون من فوق السير فيحركون الشنط ذات اليمين وذات اليسار للتخفيف من تراكمها على السير! هذا المشهد المتخيل كان كافياً لأن أستعيد شنطي وأذهب بها إلى حيث يغلفون شنط السفر بالبلاستك من أعلاها إلى أدناها فتصبح كأنها «بقشة» شديدة الرباط.. عدت بشنطتي المدللة إلى الكاونتر وسلمتها وأنا أقل قلقاً.. وكل ذلك لم يمنعني من استحضار الدعاء عند ضياع الحاجة!وصلت الرحلة إلى نيودلهي، ولم يمنعني حسن معاملة الطاقم من التفكير في شنطتي وكيف انها ستتعرض لصنوف الدوس والركل.. بل وكيف ان عمال مناولة الحقائب هناك يمشون فوقها دون اكتراث..

رأيت الكثير من الجوالين معبأة بماء زمزم.. لكنها لم تلق سبهللة على السير بل وضع كل منها في صينية بلاستيكية مستطيلة وكذلك بالنسبة لكل غرض قد يتعرض للتلف.. أصدقكم القول: راودتني فكرة أن أصور السير والشنط عليه والانضباط حوله لأرسلها لكل من يهمه الأمر ومن لا يهمه الأمر.. من صوبنا!

أنهيت إجراءات الهجرة والجوازات سريعاً فحانت لحظة اللقاء! ومعها يبدو أني صحوت من أوهامي؛ التفت لكاونتر الجوازات خلفي فوجدت موظفين على مدّ النظر ينهون إجراءات المسافرين، أما المطار فجميل ونظيف وفيه بهاء والكثير من الشاشات الكبيرة شديدة الوضوح هائلة النظافة تعلن عن السير المخصص لاستلام حقائب كل رحلة قادمة.. وكذلك وجدت سيوراً على مدّ النظر على كل منها أكثر من شاشة تبين رقم الرحلة القادمة. وقفت أمام السير رقم 12 بانتظار حقيبتي، لم أرى عمالاً يسيرون فوق السير ولا حتى بجانبه! دقائق وأخذت حقائب الرحلة القادمة من الدمام في الظهور الواحدة تلو الأخرى بكل هيبة ووقار! أخذت أراقب حركتها فلاحظت ان السير مزود بنظام آلي «ذكي» لمنع تراكم الحقائب بحيث يتوقف سير الحقائب القادمة من أعلى حتى تمر الحقيبة الآتية من أسفل.. أتت حقيبتي المدللة تماماً كما استودعتهم إياها.. أما ما رأيته وأنا بانتظار شنطتي فهو كيف يقوم كل بعمله بإتقان مهما كان العمل تفصيلاً، أو كما يقول بعضهم هامشياً.. رأيت الكثير من الجوالين معبأة بماء زمزم.. لكنها لم تلق سبهللة على السير بل وضع كل منها في صينية بلاستيكية مستطيلة وكذلك بالنسبة لكل غرض قد يتعرض للتلف.. أصدقكم القول: راودتني فكرة أن أصور السير والشنط عليه والانضباط حوله لأرسلها لكل من يهمه الأمر ومن لا يهمه الأمر.. من صوبنا!.