د. محمد حامد الغامدي

المهندس حمـدي

▪▪ اكتوبر عام (1973).. كنت طالبًا في مدينة الرياض الأبيّة.. أعيش مع مجموعةٍ من الزملاء.. في (عزبة).. متجانسة الأوضاع.. زهيدة.. نطبخ.. نغسل.. نكافح.. نجاهد من أجل التحصيل العلمي.. فجأة.. ظهرت حرب اكتوبر.. تابعنا الأخبار بحذافيرها.. عبر جميع الوسائل المتاحة.. وفي المساء.. نتسمّر أمام شاشات تليفزيون المملكة.. في المقاهي الشعبية.. نشاهد صور البطولات.. نسمع أخبار العبور.. نتابع تفاصيل المواقف.. تشدّنا التعليقات الوطنية.. نفتخر بالتحليلات العسكرية.. نحو حقائق ننشدها.▪▪ ولأنّي أحمل آلام حرب (1967).. الحرب الخاطفة.. المؤامرة الكريهة.. هزّت واقع العرب وأجياله.. كنت أبحث عن المصداقية.. هل الأخبار التي نسمعها حقيقة.. أم فبركات إعلامية؟!.. خائفًا.. قلقًا.. ماذا لو احتلّوا مصر؟!.. أجهّز نفسي لما هو أسوأ.. أنتظر النّفير العسكري.. أترقب المصير المجهول.. قلقًا على المستقبل.. كل ذلك بسبب حرب النكسة.. عشت معاناتها رُغم صغر سِنّي وقتها.▪▪ مازلت أذكر نحيبي القاسي.. طفلًا.. أخذت الحرب منّي براءتي.. كانت علامات الأسى والحسرة في وجوه آبائنا.. تزيد من رعبنا.. تجرّعنا طعم الذل والعار.. لكنها من جانب آخر.. زرعت فينا الحلم بالتحرير والأخذ بالثأر.. حرب زرعت بذرة المستقبل بكل ثقة.. نكسة قادت إلى الوعي.. وليس إلى الاستسلام.. حرب أعطت للعرب قيمة أعظم.. ومسؤولية أشمل.. كنتيجة، جاءت حرب اكتوبر.▪▪ ما زلت أحتفظ ببعض الجرائد والمجلات عن أيامها.. ما زلت أذكر صور الفريق الشاذلي على صفحات المجلات والجرائد.. تعطيه لقب بطل العبور.. عشنا كعرب لحظات مجد.. سطّرت لنا حياة جديدة.. كانت المواقف الخالدة.. ما زلت أذكر نتائج قطع البترول العربي.. ما زلت أذكر صور الطيارين الإسرائيليين.. مكبّلين بالسلاسل متفحّمين في طائراتهم.. بعد أن أسقطها الجيش العربي السوري.. ما زلت أذكر الكثير.. الأهم.. ما زلت أذكر مواقف الشعب العربي من المحيط إلى الخليج.(المهندس حمدي) إنسان مصري عظيم.. قلت: المفروض أن تظل في بيتك زعيمًا.. مكرمًا.. نحن العرب يجب علينا تحقيق كل ما تريد.. في وقتها أيقنت بأن (المهندس حمدي) هو مصر.. عزّز حُبي لمصر وأهلها.. مصر برجالها.. عبروا عبر بطولات كثيرة.. لم يسمع منها العرب غير اسم النّصر.. ولوحة النّصر▪▪ مصر العظيمة.. دافعت.. حاربت.. ضحّت.. مصر التي أعطت ومنحت.. مصر صاحبة الفضل على كل عربي.. يتنفس هواء الماضي والحاضر والمستقبل.. مصر التي شرحت صدورنا بكل فخر.. أعادت لنا الثقة والكبرياء.. رسمت خيوط المستقبل واضحة جليّة.. مصر برجالها.. طحنت كبرياء العدو.. حطّمت برجالها رهبة الخوف.. مسحت بسواعد رجالها آثار الهزيمة والعدوان.. مصر في قلوبنا.. حُبّا وتقديرًا.. مهما أعطينا لمصر.. فلن نستطيع ردّ جميلها.. وعطائها.. وتضحياتها.▪▪ تخرجت في الجامعة.. أصبحت مسؤولًا.. مديرًا لمحطة التدريب والابحاث الزراعية والبيطرية.. بجامعة الملك فيصل.. تعرّفت على مهندس مصري.. الكل يناديه: (المهندس حمدي).. كان يعمل في شركة متعاقدة مع الجامعة.. كان يمثل الشركة.. كان المسؤول عن تنفيذ بنود العقد.. شدّني في هذا الرجل انضباطه.. استقامته.. حرصه.. إخلاصه.. تفانيه.. وحُبه لعمله.. كان أمينًا بكل ما تعنيه الكلمة.. قويًا في أداء مسؤولياته بكل إتقان.. من أفضل مَن قابلت في حياتي عملًا وخلقًا.▪▪ في أحد الأيام.. خاطبته قائلًا: أحسبك عسكريًا.. صفاتك تدل على انضباط العسكر.. فجأة نهض وخلع قميصه.. عرّى نصف جسمه الأعلى.. قال انظر.. أرعبني المنظر.. آثار في جسده.. كأنها وشم.. قال: هذه آثار رصاص حرب أكتوبر.. ثماني رصاصات اخترقت جسمي.. وكتب الله لي النجاة.. ذهلت للموقف.. واصل حديثه قائلًا: كنت في الجيش الثالث الذي حاصرته إسرائيل.. استطعنا فك الحصار.. لم نستسلم.. النصر أو الشهادة.. تحدّث عن ذكريات البطولة.. أشاد بقائد الجيش الثالث.. قال: كنّا نقاتل من أجل قائدنا.. قائد عظيم.. يمثل مصر وعظمة مصر.. كان لنا خير قدوة. ▪▪ هرولت إليه.. احتضنته بحرارة.. تقزمت أمامه..  قبّلت أجزاء من جسمه المصاب.. أيقنت بحياتي في حياته.. (المهندس حمدي) إنسان مصري عظيم.. قلت: المفروض أن تظل في بيتك زعيمًا.. مكرمًا.. نحن العرب يجب علينا تحقيق كل ما تريد.. في وقتها أيقنت بأن (المهندس حمدي) هو مصر.. عزّز حُبي لمصر وأهلها.. مصر برجالها.. عبروا عبر بطولات كثيرة.. لم يسمع منها العرب غير اسم النّصر.. ولوحة النّصر.. لكن الفرد المصري هو من سطّر البطولات.. رسم الملحمة البطولية.. علينا كعرب أن نتذكر.. أن الفرد المصري قيمة وعطاء وشموخ.. علينا أن نعطيه الاحترام والتقدير والأولوية في كل شيء.▪▪ علاقتي بـ(المهندس حمدي) دامت سنتين.. انتهى عقد المؤسسة.. غادر إلى جهة اخرى.. آخر عهدي به كان في عام (1990).. افتخر بمعرفتي لأحد أبطال العبور.. ما زلت وسأظل أذكره بكل فخر.. وأحفظ له حق دفاعه عن كرامتي.. البعض يعتقد.. وبغباء.. أنه فوق مصر.. وأهل مصر.