د. فالح العجمي

الضمير والعاطفة مقبرة الحياة المدنية

تقدمت أمم، وتأخرت أخرى. ولا أظن أنه لا توجد أسباب قاطعة لتقدم الأولى، وتأخر الأخرى؛ منها ما هو معروف لكثير من الناس، ومدروس في المناهج الجامعية التي تعنى بتقديم العلوم العصرية محاولة منها للإسهام في إكساب المنخرطين فيها القدرة على تمثل تلك العلوم، وإفادة المجتمعات منها في حياتهم، وتطوير بعض الأطر القائمة إلى أشكال أخرى أكثر فاعلية وجدوى.لكن قليلاً من المناهج، وأعدادا نادرة من المباحث تركز على كيفية صنع الحياة المدنية المنتجة، أو على مبادئ تلك المجتمعات التي وصلت إلى ذرى الأبنية الناجعة لمؤسسات المجتمع المدني، أو بأسلوب آخر: كيف نجحت الأمم المتقدمة في خلق حياة مدنية مزدهرة، وأخفقت الأمم المتخلفة حتى في زرع بذورها؟ ومعلوم أن وجود مؤسسات المجتمع المدني القوية العريقة والشاملة لمكونات المجتمع تحميه من الاستبداد وغوائله، كما تمنع عنه التفكك الذي يحصل في الحالات التي تكون فيها سلطات المجتمع المختلفة تتفرد بكل منها شريحة أو بعض فئات من المجتمع.ماذا يوجد لدينا من حالات إسناد ضوابط الأنظمة وحالات التكليف، بل وربط حالات المحاسبة بضمير من يجري تكليفه بالمهام المنوطة به، مهما كانت درجة المسؤولية، وحجم التبعات المربوطة بيقظة الضمير أو عدمها؟ هي - في الواقع - كثيرة جداً ومتعددة الاتجاهاتماذا يوجد لدينا من حالات إسناد ضوابط الأنظمة وحالات التكليف، بل وربط حالات المحاسبة بضمير من يجري تكليفه بالمهام المنوطة به، مهما كانت درجة المسؤولية، وحجم التبعات المربوطة بيقظة الضمير أو عدمها؟ هي - في الواقع - كثيرة جداً ومتعددة الاتجاهات؛ لكن مثالين في اتجاهين مختلفين ربما يوضحان ذلك الوضع القائم، والذي لا يعارضه أحد تقريباً، بل ربما يشكك في ذمة من يتعرض لنقده. أنقل في أحد الاتجاهين مثالاً مأخوذاً من مقال ينتقد مقاولي البناء الذين لا يعملون بإخلاص فيما يوكل إليهم من أعمال، وفيه أن المهندس المراقب قد «صرخ في العمال، وهو بنوبة انفصال عارمة: ويلكم، أليست هذه أموال مسلم؟» فهل إذا كانت أموال شخص غير مسلم أصبح استحلالها بغير حق أمراً جائزاً؟ ثم ألا توجد ضوابط قانونية لمثل هذا الإخلال، بدلاً من الغضب، ومناشدة الضمائر لتستنكف عن أخذ المال بغير حق (من مال مسلم!)؟ أما المثال الثاني، فأورد له حالة صاحب الكليات العالمية الأهلية التي أغلقتها وزارة التعليم العالي قبل أشهر، واستضافه داود الشريان في برنامج الثامنة مؤخراً. فقد علق كثير من الناس في وسائل الإعلام المختلفة (الورقية والالكترونية) ووسائل التواصل الاجتماعي؛ وكانت الظاهرة الأكثر بروزاً في تلك التعليقات أن كثيراً منهم بعد أن صب جام غضبه على ذلك التاجر المخادع، قد انتقد من أتى به، أو سمح له بالتلاعب بالتعليم وأموال الناس وأرواحهم أيضاً لو استمرت كلياته تخرّج أطباء وصيادلة مزيفين. لكن هل طالبوا بتعقب من ساعد ذلك المحتال قانونياً،؟ لا، لم يفعلوا شيئاً من ذلك، بل لجأوا إلى مناشدة الضمائر بأقوال مثل: اللي جاب حسين غاش للأمة... وياويلهم من الله! هذه هي ردود الفعل التي تتمناها مثل تلك العصابات ومن يقف وراءها. وذلك كمن يطلب من المخادع حلف اليمين على أقوال قد أنكرها. وماذا يوجد لدينا من حالات إسناد ضوابط الأنظمة، بل والعقوبات الجنائية إلى العاطفة وجانب الرحمة في التعامل مع المجرمين؟ . ومثال آخر من إعلانات تسول للمساعدة على الحج، مع أن الحج - كما هو معروف - فريضة على القادر فقط. وعندما أثرت هذا الموضوع ذات مرة، كانت الردود: مساكين ربما تتوق نفوسهم إلى زيارة البيت الحرام. وهل كل ما تتوق أنفسنا إليه نتسول في سبيل الوصول إليه؟ هذه هي العاطفة المقيتة، التي أصبحت تحكم حياتنا، وطريقة تنظيمنا لأمورنا، وترتيب أولوياتنا.