د. فالح العجمي

رؤية مستقبلية واقعية

في التاسع عشر من نوفمبر 2010م نشرت روز اليوسف مقالة للدكتورة منى حلمي بعنوان: «الخطوط الجوية الإسلامية ترحب بكم»، وكان ذلك قبل ثورة 25 يناير، بل وقبل أحداث تونس التي انطلقت منها شرارة التغيير المسمى «الربيع العربي».وقد تنبأت بأن التيار الديني سيحكم مصر بعد جهاد طويل (بالطبع كانت تقصد الإخوان، لأنهم هم الذين جاهدوا في مناوأة السلطات لأكثر من ثمانين عاماً). وعابت على من يستبعد ذلك قصور تفكيرهم. فحاججتهم بقولها: «إن قيام الدولة الدينية لن يحدث في يوم وليلة، أو حتى في ثلاثين أو في خمسين عاماً، أو في قرن من الزمان. المهم أن تلقى البذور في التربة المهيأة، في الوقت الملائم، والصبر الطويل جداً، حتى موسم الحصاد الرسمي وموسم الحصاد الشعبي. وفي مصر، تم الانتهاء من زرع المبادئ الدينية في جميع الطرق والحارات والمدن والقرى والنجوع والمديريات والمحافظات والأقاليم»، فهي تحترم رأي أولئك الذين يستبعدون وصولهم إلى السلطة تماماً، لكنها تتساءل: «بأمارة إيه يستبعدون الدولة الدينية من حكم مصر»؟ ثم تقول إن «العرف» في أحيان كثيرة أقوى من «القانون»، فماذا يفيد، إذا كان القانون يحتفظ بالصفة المدنية، لكن العرف الشعبي ديني، وهو الحاكم، وهو فتوة الحارة .. وهو الناهي، والآمر في نهاية المطاف؟ فالدولة الدينية قد تم تدشينها وإقامتها والاحتفاء بها في «العقل» . ، هذه هي الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها، ولا أدري لماذا هذا الإنكار. وهو إنكار لن يفيد، إلا في إطالة مدة الغيبوبة الساذجة التي نعيشها، ويقصر مدة وضع «يافطة» الدولة الدينية المصرية.إنها رؤية واقعية تحققت بعد أقل من سنة من نشر تلك المقالة .. فوالله إنك يا دكتورة كنت متحفظة في توقعاتك بإعطاء البذور ثمارها في ثلاثين سنة أو أكثر، فما هي إلا أشهر حتى اكتسح الإسلاميون البرلمان، ثم فازوا بعد ذلك برئاسة الجمهوريةإنها رؤية واقعية تحققت بعد أقل من سنة من نشر تلك المقالة .. فوالله إنك يا دكتورة كنت متحفظة في توقعاتك بإعطاء البذور ثمارها في ثلاثين سنة أو أكثر، فما هي إلا أشهر حتى اكتسح الإسلاميون البرلمان، ثم فازوا بعد ذلك برئاسة الجمهورية، ومنافس «الإخوان المسلمين» في تلك السيطرة هو حزب إسلامي آخر هو «حزب النور». فهل الاستبداد هو ما أوصل الإسلاميين إلى الحكم؟ أم ان زرع البذور والاستيلاء على العقول هو ما هيأ لهم تعاطف الشارع، وإيمانه بنزاهتهم؟ وهل من يحكم مصر حالياً هي جماعة وصلت إلى الحكم بأصوات الشارع المصري، وتخطط لترسيخ أقدامها في حكم مصر، أم انها فرع لتنظيم يسعى إلى السيطرة على مناطق أوسع، كان قد ذرأ فيها البذور، وينتظر السقيا والإنبات والثمر؟ كان قائد شرطة دبي الفريق ضاحي خلفان قد توقع خلال الأشهر الماضية أن يصل الإخوان إلى الحكم في الكويت في سنة 2014م، بل وذكر الإجراءات التي سيتبعها مجلس التعاون لدول الخليج العربية في حالة تحقق ذلك، ما يعني أنه سيناريو محتمل، خاصة أنه رجل من داخل دواليب القرار السياسي في واحدة من دول المجلس.بالطبع الجغرافيا السياسية في المنطقة ستكون عرضة للتغيرات تبعاً لتطورات الوضع في سوريا من جهة، وامتداد الأزمة المحتمل إلى بعض دول الجوار السوري، بالإضافة إلى احتمالات المواجهة بين الغرب وإيران، وما قد تجره تلك المواجهة على دول مجلس التعاون، وخاصة الصغيرة منها والقريبة من إيران ومن العراق في حال اصطفاف العراق المحتمل مع إيران. وليس هناك دولة مرشحة لذلك التغيير أكثر من الكويت بحكم تلك العوامل الجغرافية والديموغرافية من جهة، وبحكم تعطل القدرة على اتخاذ القرار، وغياب القناعة الشعبية بقدرات الحكومة على حلحلة الأوضاع الراهنة، عدا عن مواجهة أخطار جديدة ومتسارعة وغير معروفة المصدر. فإذا امتد جناح «الإخوان المسلمين» إلى الأردن في فترة قريبة إلى السيطرة على مفاصل القرار فيها، فإن نبوءة الفريق ضاحي خلفان قد تكون أسرع مما توقعه، كما كانت توقعات الدكتورة منى حلمي في إخوان مصر، الذين ساعدتهم الأحداث التي جرت من احتجاجات شعبية وتغيير ثوري في تونس في سرعة القفز على السلطة، والبقاء في حكم البلاد بلا دستور، والاكتفاء بمراسيم الرئيس المصنوعة في مجلس المرشد. وأنا بدوري أعيد السؤال: بأمارة إيه يستبعد الناس هنا وصولهم إلى مرادهم، إذا كان خصومهم مطمئنين إلى سذاجة طرحهم؟ وهم فعلاً تافهون، ولكنهم خطيرون، ومستعدون للتآمر حتى مع الشيطان!