د.فالح العجمي 

تنبؤات لما بعد 18 عاماً

ظهر تقرير مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي لهذا العام (2012م)، بشأن توقع الأوضاع في عام 2030م، كما نُشرت رؤية معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية فيما سمي «الاستراتيجية الأوروبية للتحليل السياسي». وقد احتوى التقريران نقاطاً تهم العالم في بعض الاتجاهات الخاصة بالسياسة والاقتصاد والبيئة.

كلا التقريرين يتنبأ بجغرافيا سياسية يظهر فيها العالم مجزأ، وتصعد فيها الصين إلى المرتبة الأولى بوصفها قوة اقتصادية عالمية، وتفقد فيها أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية القوة الاقتصادية الحالية. لكن المفرح أن التغيير سيصحبه تراجع في مستوى الفقر العالمي، وصعود للطبقة الوسطى في البلدان النامية. هل مثل هذه التنبؤات مفيدة في العصر الحاضر، الذي لا أحد يعلم فيه إن كان اليورو سيبقى قائماً بعد سنتين من الآن؟ نعم، التنبؤات الطويلة الأمد غالباً تكون أسهل من توقع مخارج أزمات آنية. لكن اللافت للنظر في التقريرين أنهما توقعا أن يصبح العالم بلا قوى عظمى؛ ففي سنة 2030م ستكون القوة الأمريكية جزءاً من التاريخ، كما أن الدول الأخرى المسيطرة اقتصادياً حينذاك لا ترغب في ملء فراغ شرطي العالم، أي أن البشر بعد أقل من عقدين من الزمان سيكونون على رأي المصريين: «ما لهمش كبير!». فماذا سيحدث عندما تختفي القوة العظمى الوحيدة؟

وفقاً لتقرير معهد الاتحاد الأوروبي، فإن الهيمنة السياسية والعسكرية للولايات المتحدة الأمريكية ستتقلص، وبالتالي ستنتهي الحقبة القصيرة، من وجهة نظر تاريخية، لتفرد واشنطن بالهيمنة المطلقة على العالم، التي بدأت مع انهيار الاتحاد السوفييتي. وبذلك تشكل نشأة «فجوة المسؤولية» مخاطرة حقيقية، حسب تحذير التقرير الأوروبيوفقاً لتقرير معهد الاتحاد الأوروبي، فإن الهيمنة السياسية والعسكرية للولايات المتحدة الأمريكية ستتقلص، وبالتالي ستنتهي الحقبة القصيرة، من وجهة نظر تاريخية، لتفرد واشنطن بالهيمنة المطلقة على العالم، التي بدأت مع انهيار الاتحاد السوفييتي. وبذلك تشكل نشأة «فجوة المسؤولية» مخاطرة حقيقية، حسب تحذير التقرير الأوروبي. إذ انه فجأة تغيب دولة، كان لها حضور عالمي، ودور في نشر الديمقراطية والمسؤوليات الحقوقية للدول. فالصين، المنافس الحقيقي للولايات المتحدة الأمريكية، ستكون المرشح المنطقي للقيام بذلك الدور، لكنها لا ترغب في القيام به. وقد بدأت بوادر الوضع القادم تظهر منذ الآن؛ ففي حالة الثورة الليبية غابت القوة الأمريكية، فقفزت كل من بريطانيا وفرنسا لأخذ زمام المبادرة. وفي الوضع السوري اتضح الأمر أكثر؛ إذ بدأت حالة تعدد الأقطاب في الظهور، ما جعل الحلول تصطدم بتضارب المصالح، وهو ما سيشكل القاعدة في تلك الحقبة القادمة. لكن التنبؤ الآخر يقول إن الطبقة الوسطى في البلدان النامية ستصعد بشكل لم يسبق له مثيل: في الهند مثلاً لن تبقى الطبقة الوسطى محصورة في قرابة 10% من السكان، بل ستقفز النسبة إلى حدود 88%، بل إن التقديرات تشير إلى كون الوضع بدءاً من 2022م سيصبح العالم يحتوي من تلك الطبقة أكثر مما يوجد فيه من الفقراء. وهذا يعني تدوير حلقة الاقتصاد بطريقة أفضل مما هي عليه الآن. بالطبع ستوجد مشكلات اقتصادية واجتماعية وديموغرافية تعاني منها الدول التي ستهيمن على اقتصاد العالم، لكن أصحاب الحكمة الشرقية تعودوا على التعامل مع مثل تلك العقبات. ويقدر عدد البشر في تلك السنة بقرابة ثمانية مليارات وثلاثمائة مليون نسمة، ولأن البشرية في ذلك العالم قد أصبحت أقل فقراً، فإن توقعات معدل الأعمار قد وضعتها التقارير في سنة 2050م بما يزيد عن المعدل الحالي بتسع سنوات. لكن عوامل التغير المناخي ستكون حاسمة في تغير صحة الفرد والبيئة، خاصة مع توقع أن يكون عصر الطاقة الإحفورية قد تقلص كثيراً إلى ما يقارب 30% من نسبة الاستهلاك في العالم. الطريف أن الاقتصاد الآسيوي سيبلغ أكثر من ضعف الاقتصاد الأوروبي والأمريكي سوياً، لكن الاقتصاد الأمريكي سيبقى في المرتبة الثانية بعد الصين، يليها الاتحاد الأوروبي في المرتبة الثالثة والاقتصاد الهندي في الرابعة، واليابان في الخامسة، وروسيا في السادسة، وإندونيسيا في السابعة، والبرازيل في الثامنة، وكوريا الجنوبية في التاسعة، والمكسيك في العاشرة. وفي المرتبة الحادية عشرة كندا، والثانية عشرة تركيا، والثالثة عشرة تايلند، والرابعة عشرة إيران، والخامسة عشرة أستراليا. فهل اتفق المركزان المرموقان على تجاهل العرب وقارة افريقيا بأكملها وجنوب قارة أمريكا اللاتينية؟ طبعا سيقفز الجاهزون لفكرة المؤامرة، ليقولوا ان تلك الدراسة مقصودة، وما ذلك إلا لأنهم يخشون من منافسة العرب لهم وبأس المسلمين، ولذلك أغفلوهم من توقعات النهضة الاقتصادية في العقود القادمة من هذا القرن. وأقول: لا تتعجلوا! وعلى رأي مثلكم: الميّة تكذّب الغطّاس .. ودمتم في القرن الآسيوي!!