د.إحسان علي بوحليقة

الحدائق السلطانية .. والصديق الصدوق

قبل عقود زرت الحدائق النباتية في نيويورك، وهي عبارة عن مجموعة من الحدائق في محيط واحد لكل منها مناخ يتفاوت بين صحراوي حار وجاف إلى استوائي رطب إلى القطبي بارد. لم أنس تلك الزيارة قط فقد جلبت نبتات الدنيا وجمعتها في حيز ضيق! وأخيراً شاهدت في منطقتنا مبادرة مشابهة، وهو مشروع الحدائق السلطانية الذي يجمع النباتات من سائر الأراضي العمانية على تفاوتها من سهول وجبال ووديان،

وما سرني أثناء زيارتي الحدائق في عمان أكثر من أمرّ، أولاً: أن المشروع يتبع منهجية علمية غير مهادنة من خلال استقطاب علماء نبات وبستنة من المبرزين في هذا المجال في العالم يقومون بالاشراف على انجاز هذا المشروع الحضاري بمستوى لا يقل عن المشاريع الرائدة في هذا المجال في امريكا الشمالية وأوروبا وأستراليا. أما الأمر الثاني: فهو ارتكاز المشروع على العمانيين، حيث لاقيت هناك ثلة من المهنيين المتخصصين في هذا المجال يدفعهم الولع والحماس للمشروع فما أن ذكرت لأحدهم أني في طريقي إلى صلالة حتى اصطحبني إلى الجزء الخاص من الحدائق المحتضن لشجيرات ونباتات تتميز بها جبال وسهول ظفار وأخذ يشرح طبيعة كل واحدة وإن كان لها أي استخدام شعبي أو علمي، بل وكان دائماً يعرج على النبتات المتوافرة عندنا في المملكة ليبين لي أين تنمو ضمن الأراضي السعودية! كان هذا الأمر كافيا ليجعلني أشعر بكثير من الاعتداد لهذا الجهد المتباهي بالبيئة والمحافظ عليها، وأثناء الزيارة أشار خبير البستنة العماني إلى مكان بدا لي أنه مبنى مكتبي ممل، لكني وجدت هناك أصنافا مصنفة من البذور تتولاها مجموعة من المتخصصات العمانيات في عمليات فرز وتصنيف البذور وفق منهجية معينة تؤدي لبناء قاعدة معلومات تشمل كل نبتة أصلا وفصلا وعشيرة وشكلا وخصائص!هناك من يظن أن جمال الأشياء ان تأتي معلبة جاهزة، لكن ليس بوسع أحد تجهيز وتعليب حدائق مثل التي شاهدتها وهي قيد الانجاز خطوة خطوة بالقرب من مسقط. لا أخفي اعجابي ليس فقط بما رأيت من نباتات وشجيرات وكيف يُكيف المناخ في الحدائق ليحاكي بيئات ومناخات متفاوتة تهيئ أسباب البقاء للنبات، بل إن إعجابي بهمة الفريق الذي يقوم بذلك العمل وحماسه وتكوينه المختلط بما يهيئ الكوادر الوطنية المؤهلة لاستدامة المشروع.. مشروع  الاعتداد بالغطاء النباتي ومكوناته يستحق أن يعم دول الخليج العربي، فقبل أن يخرج لنا ما في جوف صحارينا كان غطاؤها صديقنا الصدوق.