حسن السبع

خذ الحكمة من خصومك العقلاء !

إذا كنت ممن يرجّح كفَّة المعاني والأفكار على غيرها، فقد تستهويك عبارة لفنان، أو نجم رياضي، أو مفكر من ثقافة أخرى، أو «خصم جميل»، فالأفكار ليست حكرا على أحد. قد تبحث عن الفكرة الذكية فتأخذها من أي مصدر جاءت. أما حين تكون انتقائيا، بالمعنى السلبي للانتقائية، فأنت لا ترفض المصدر وحده، بل ترفض الفكرة كذلك، وعندما تفعل ذلك فأنت تعاقب نفسك بحرمانها من المعرفة.

علَّق أحدهم، مرة، على مقال سابق قائلا: «كيف تستشهد بعبارة ممثّل؟ ومن هو حتى تستشهد بأقواله»؟ كان على وشك أن يقول: «يا لسوء المنقلب»! كان السؤال استنكاريا يدل على الاستياء، وينطوي على نظرة سلبية إلى عمل الممثل. وهي نظرة لا تستوعب أهمية دور الممثل الفني والثقافي والاجتماعي. غير أن هذا ليس موضوعنا.قد تكون العبارة لكاتب النص، لكن ما المشكلة إذا كانت للممثل نفسه؟ أو لأي (نكرة) على وجه الأرض، مادامت عبارة ذكية وزاخرة بالدلالة وثرية بالمعنى؟ هل نحن معنيون بالإناء أم بالمحتوى؟ بالشكل أم بالمضمون؟ بالقائل أم بالمقولة؟

يقال: يتعلم الحكيم من أعدائه أكثر مما يتعلم الجاهل من أصدقائه. لكن يلاحظ على ذلك النمط السائد من التفكير، عدم الرغبة في  البحث عن الحكمة أيا كان مصدرها. فكل الخصوم، أو المختلفون عنا، وفقا لذلك التصور، مجموعة من الحمقى والمغفلين أو الأشرار، وكل ما يأتي منهم عديم الفائدة.يمكننا أن نلاحظ، هنا، تلك النظرة التي لا تميز بين المنتِجِ والمنْتَج، أو بين المعرفة ومصدرها. فعين الرضا تتلقف وتتقبل كل ما يصدر عن (الشبيه) دون مساءلة أو تمحيص، وعين السخط تتسقَّط هفوات الآخر المختلف وتكبّرها، أو تخترعها إذا لم تجدها. هذا نموذج مصغر لتوجه أكبر وأخطر يرى أن العالم على رحابته لا يتسع إلا له.يقال: يتعلم الحكيم من أعدائه أكثر مما يتعلم الجاهل من أصدقائه. لكن يلاحظ على ذلك النمط السائد من التفكير، عدم الرغبة في  البحث عن الحكمة أيا كان مصدرها. فكل الخصوم، أو المختلفين عنا، وفقا لذلك التصور، مجموعة من الحمقى والمغفلين أو الأشرار، وكل ما يأتي منهم عديم الفائدة. ذلك شكل من أشكال التعصب يحرم صاحبه من مصادر المعرفة المتنوعة. فإذا جاز لنا أن نأخذ الحكمة من أفواه المجانين، كما يقول المثل،  فلماذا لا نأخذها من أفواه الخصوم العقلاء. ألا يوجد «خصم جميل» يجيد فن الاختلاف كذلك الذي قال عنه أدونيس: «الخصم الجميل والعميق والذكي صديق آخر». أم أنه لا وجود لخصومة جميلة في مثل هذا المناخ الاجتماعي؟  وعند الحديث عن المنتِجِ والمنْتَج، هنالك ملاحظة أخرى تتعلق بميلنا إلى (تصدير) أفكارنا وحقائقنا الخاصة إلى الآخرين، والدعاية لها، ومنع (استيراد) حقائق الآخرين ومحاصرتها تحت ذرائع ومبررات منها «التحصين الثقافي».  غير أن التحصين لا يتحقق بمصادرة حق المرء في الاطلاع والمعرفة، بل باحترام عقل الإنسان،  وإتاحة حرية الاختيار. كما أنه بات من المتعذر بناء تلك الحصون أو الحواجز في عصر الفضائيات والإنترنت وتدفق المعلومات والأفكار. يتعذر، كذلك، «تطهير» المكتبات ومعارض الكتب من بعض المؤلفات لتحقيق ذلك التحصين الثقافي مع وجود كل تلك الوسائل المتقدمة من التقنيات. لقد اتسع الخَرْقُ على الرَّاتِق.والسؤال هو: ما مصير التنمية الثقافية والاجتماعية حين يسود مثل ذلك التوجّس الثقافي الصادر عن توجه أحادي الرؤية ينظر بعين الارتياب، ومن زاوية واحدة، إلى العالم، بما فيه من تنوّع واختلاف؟ وما هو المنتج الثقافي والحضاري المنتظر حين تُدار شؤون التنمية الثقافية والاجتماعية على ذلك النحو؟