د. فالح العجمي

غوغاء العرب وحفلات الطرب

عندما تناهى إلى أسماع بعضهم أن فيلماً أو ما يشبه الفيلم قد تعرض إلى السيرة النبوية سارت جموع غاضبة إلى سفارات الولايات المتحدة الأمريكية في كل من مصر وليبيا واليمن والسودان وتونس وربما غيرها، وأحرقت أجزاء من تلك السفارات وخربت وقتلت عدداً من المعتمدين الدبلوماسيين الأمريكيين في بنغازي. كل ذلك دون أن تتبين سبب الغضب، ومن هو مثير ذلك الغضب، وما النتائج المترتبة على مثل ذلك السلوك الهمجي.

أكاد أجزم بأن منتجي ذلك الفيلم قد فرحوا بما حققوه ليس بأيديهم، بل بالطريقة التي استفزوا بها تلك الغوغاء أو من دفعهم إلى ذلك، وتحققت بعض من أهدافهم على أيدي العرب (المسلمين) أنفسهم. فقد أثبتوا أن العرب ميالون إلى العنف، وتحركهم الشعارات الفارغة، دون أن يتبينوا أهداف ما يطلب منهم فعله. وإلا لما سلكوا تلك المسالك في الهجوم على سفارات بلد لا علاقة له بذلك الفيلم الذي يُدعى أنه سبب سلوكهم الهمجي، ولا علاقة للمسيحيين أيضاً بانتاجه أو تمثيله، إلا من خلال مقارنات وردت بين القرآن والكتب المقدسة الأخرى، بما فيها الإنجيل.

من الناحية العملية ما الذي تؤديه مثل ردود الفعل المتهورة هذه؟ هل تردع من ينتج مثل هذه الأعمال، أو هل تقلل من شأنها؟ أرى أن العكس هو الذي حصل، فبعض الكتابات أو الأعمال «المسيئة» لم تكن لتكتسب شهرة وتأثيراً لو لم يتسن لها ذلك الترويج بأيدي المسلمين أنفسهم. فقد شاهدت ذلك الفيلم، ووجدته لا تتجاوز قيمته حفلات الطرب العربية؛ فلم يكن فيه إعداد جيد، ولا إنتاج واخراج فني.بل إن بعض العبارات التي رددها المتظاهرون (أو المخربون) اليمنيون كانت موجهة إلى اليهود: خيبر خيبر يا يهود ...، ويتجهون إلى سفارة الولايات المتحدة الأمريكية، فهل فعلوا ذلك، لأنه لا توجد سفارة لليهود في اليمن أو لاسرائيل؟ هل يوجد جنون أكثر من هذا؟ نعرف أن العرب هم أول من نشر الإسلام في بلدان الأمم الأخرى، لكن هل يعقل أن العرب أصبحوا أكثر طيشاً وزيفاً من الأمم الإسلامية الأخرى، التي تتصرف بعقلانية، وتراعي مصالحها العليا، وتناقش أمورها بحكمة؟ ومن الناحية العملية ما الذي تؤديه مثل ردود الفعل المتهورة هذه؟ هل تردع من ينتج مثل هذه الأعمال، أو هل تقلل من شأنها؟ أرى أن العكس هو الذي حصل، فبعض الكتابات أو الأعمال «المسيئة» لم تكن لتكتسب شهرة وتأثيراً لو لم يتسن لها ذلك الترويج بأيدي المسلمين أنفسهم. فقد شاهدت ذلك الفيلم، ووجدته لا تتجاوز قيمته حفلات الطرب العربية؛ فلم يكن فيه إعداد جيد، ولا إنتاج وإخراج فني. ومع ذلك حرص كثيرون على مشاهدته بعد أن تابعوا ردود الفعل الغاضبة جداً، التي صدرت عن الغوغاء الذين يستخدمون وقوداً للمحرضين، الذين لا يصيبهم شيء من تبعات ذلك التحريض؛ لا من الأحداث نفسها، ولا من سلطات بلدانهم التي ستتضرر كثيراً من أمثال ذلك السلوك. أتوقع بأن ضربة قادمة ستقع في ليبيا انتقاماً لمقتل الأمريكيين الذين قضوا في قنصليتها في بنغازي؛ فالدم الأمريكي الذي يسفك في الخارج غالٍ جداً لدى شرائح كبيرة من المواطنين الأمريكيين، وهذا يعني أن الاستفادة من هذا العامل انتخابياً ستكون مدعاة للانتقام، خاصة مع كون الانتخابات الرئاسية بعد أسابيع قليلة. فربما استفادت الإدارة الديمقراطية من هذه الفرصة لخلق تقدم على الجمهوريين. وهل سيموت في تلك الغارات - إن حدثت - أفراد من «أنصار الشريعة» غير المأسوف عليهم فقط؟ أم ان مواطنين آخرين ممن لا ناقة لهم في الأمر ولا جمل سيتعرضون للخطر أيضاً؟ وفي الواقع بدأت بوادر الاستغفال تظهر بأن القاعدة هي من قتلت السفير الأمريكي في بنغازي انتقاماً لمقتل أبي يحيى الليبي القيادي في القاعدة، الذي قتله الأمريكان في أفغانستان؛ مما يعني أن الإمعات الذين ساروا في الشوارع تأييداً للتحرك كانوا بلهاء لا يعرفون من كان يحركهم. أما المصريون، ففي الغالب أن جماعة الإخوان المسلمين كانت ترغب في استباق اختطاف الجماهير الإسلامية من السلفيين، خاصة أنهم مقدمون على انتخابات تشريعية، وبقية من سار في الشارع وصرخ معتقداً أنه ينصر النبي أو يعادي منتهكي المقدسات هو أحمق كان ينفذ أجندة المخططين دون أن يدري. أما اليمنيون ففي الغالب أن عصابات علي عبدالله صالح هي التي كانت تحركهم، لكي يفسد الحفلة بعد خروجه.